Al-Munāfiqūn
11 verses · 1 lesson of commentary
مدنية إحدى عشرة آية
( يُسَبِّحُ لِلهِ) ينزهه، اللام زائدة ومَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِى الأَرْضِ)) كل ما في السماوات وما في الأرض يسبح لله، من حي وجماد ونباتات تسبيحات مستمرة "كُلِّ فَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ " "وَإِن صِ شَءٍ إِلَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِر لاَ تَجْفَهُولَ تَسْبِيحَهُمْ 3" تسبيح الملائكة والبشر والجن بألسنة مختلفة، وكذلك تسبيح الحيوانات والجمادات والنباتات، كل بلسان حاله "وَإِن صِ شَيْءٍ إِلَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ،" وذلك التسبيح بالأسماء العاليات. كل شيء في العالم قائم باسم من أسمائه تبارك وتعالى تجلى فيه، ولولا ذلك الاسم ما وجد ذلك الشيء، ولا يتجلى اسمان في شخص ولا يشترك شخصان في اسم، كل منفرد باسمه وبهذا تعلم أن اللّٰه تبارك وتعالى كما أنه لا نهاية لذاته ولا نهاية لصفاته كذلك لا نهاية لأسمائه. فالاسم الذي تجلى في الأب والاسم الذي تجلى في الابن ليسا واحدا. فتجد كل شيئين يختلفان حتى حبتين إذا تأملت فيهما تجد بينهما اختلافا ما، لأن الاسم الذي تجلى في هذه الحبة والذي
تحلى في هذه ليسا واحدا. والولد ولو بلغ ما بلغ من الشبه بأبيه فلابد أن يختلفا لأن الاسم الذي قام به الولد والاسم الذي قام به الأب ليسا واحدا. الاسم النازل هو الاسم المتعارف عليه عندنا، والاسم العالي هو ذلك الاسم الذي تحلى فيه، والإنسان لما كان ناطقا فهو يسبح اللّٰه بلسانه وبلغته بالاسم الذي يدري وإن سكت فشخصه يسبح باسمه العالي، وغير الإنسان الذي يعجز عن النطق يسبح بذلك الاسم العالي. فكل شيء مما في السماوات وما في الأرض يسبح لله تبارك وتعالى، وهذا التسبيح في أول هذه السورة تنزيه اللّٰه تبارك وتعالى عن أن يبقى العالم بلا مرشد (الْمَلِكِ الْفُدُّوسِ اللّٰه تبارك وتعالى هو الملك ما سواه ليس بملك، المنزه عما لا يليق به، الملك لله تبارك وتعالى وكل من نازعه في الملك في وقت من الأوقات في جزء من الأجزاء يخضع تحت سطوته يوم القيامة ويتبرأ من الملك ويبقى الملك لله فيقول: الملك لله الواحد القهار. فالمالك للأشياء حقيقة في كل وقت وفي كل مكان هو اللّٰه تبارك وتعالى ومن ادعى ملك شيء فملكه عارض وإعارة مردودة، إذاً الملِك الحق هو اللّٰه الْعَزِيزِ الْحَكِيم) في ملكه وصنعه (هُوَ ألذِى بَعَتَ فِي الاَمِّيِّينَ)
العرب (رَسُولًا مِنْهُمْ) محمدا صلى اللّٰه عليه وسلم يَتْلُواْ عَلَيْهِمُ ءَايَتِهِ،) القرآن (وَبُرَكِّيهِمْ) يطهرهم من الشرك (وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَبَ) القرآن وَالْحِكْمَةَ) ما في القرآن من الأحكام والشرائع. اللّٰه تبارك وتعالى بعث محمدا صلى اللّٰه عليه وسلم إلى العرب، والعرب كانوا أميين والأمي من لا يقرأ ولا يكتب، نسب إلى أمه لأنه بقي كأمه لا يقرأ ولا يكتب، أو بقي منسوبا إلى أمه لم يتعلم شيئا بعدها. فالأمي سب في حق كل إنسان إلا[1]
في محمد صلى اللّٰه عليه وسلم، فهو مدح في حقه لأنه وإن كان أميا علِم علم الأولين والآخرين، وكل العلوم مأخوذة منه صلى اللّٰه عليه وسلم ولكنه هو أمي لم يقرأ ولم يكتب فلهذا نسب إلى الأمومة، أو أمي معناه عربي، كلمة الأميين مطلقة على العرب وهو واحد عربي، أمي معناه عربي، أو أمي معناه مكي، مكة اسمها أم القرى، فمن نسب إلى أم القرى يقال له أمي
١، والكل مجتمع فيه صلى اللّه عليه وسلم وهو الأمي الذي لم يقرأ ولم يكتب وأتى بهذا الكتاب المعجز، أعجز الأولين والآخرين وعلم أصحابه القرآن وزكاهم وعلمهم الكتاب. أما الصحابة فقد تلقوا هذا منه بلا واسطة وعلّم التابعين وتابعي التابعين وهلم جرا ولكن بوسائط، بوسائط العلماء. العلماء ورثة الأنبياء. فالنبي صلى اللّٰه عليه وسلم هو المعلم في كل زمان حتى ينقضي الدهر في زمانه بلا واسطة وفي زماننا بوسائط العلماء
لأن الكتابة هي مكتسبة فكأنه نسب إلى ما يولد عليه أي على ما ولدته أمه عليه وكانت الكتاب في العرب من أهل الطائف تعلموها من رجل من أهل الحيرة وأخذها أهل الحيرة عن أهل الأنبار، وفي الحديث: (إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب) أراد أنهم على أصل ولادة أمهم لم يتعلموا الكتابة والحساب فهم على جبلتهم الأولى، وفي الحديث: (بعثت إلى أمة أمية) قيل للعرب الأميون لأن الكتابة كانت فيهم عزيزة أو عديمة ومنه قوله عز وجل: "بَعَثَ فِى الأَمِيِّيَ رَسُولًا مِنْهُمْ". لسان العرب
(مادة: أمم)
ورثة الأنبياء. وهذا هو قدره الصغير صلى اللّٰه عليه وسلم. وكل معلم عن شيخه عن شيخ عن شيخه، لا تنقطع السلسلة إلى أن تصل بالنبي صلى اللّٰه عليه وسلم فهو المعلم الكبير.
والأحكام الشرعية: الشريعة بالنسبة للعوام والطريقة بالنسبة للخواص والحقيقة بالنسبة لأخص الخواص. ( وَإِل كَانُواْ صِن قَبْلُ) قبل مجيئه صلى اللّٰه عليه وسلم (لَصِ ضَلَلٍ مُبِينِ) وكان الأميون الذين هم العرب قبل مجيئ محمد صلى اللّٰه عليه وسلم في ضلال مبين، هذا تاريخ العرب قبل الإسلام، كانوا في ضلال مبين، ما جاء الخير إلا بمجيئ الرسول صلى الله عليه وسلم. فلما جاء محمد نبيا عربيا وجاء القرآن عربيا صار العرب أفضل الأجناس يقول صلى اللّٰه عليه وسلم: (أحبوا العرب لثلاث: لأني عربي والقرآن عربي ولسان أهل الجنة عربي)1 (فمن أحب العرب فبحبي أحبهم ومن أبغض العرب فيبغضي أبغضهم) [2] ( وَءَاخَرِيرَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَفُواْ بِهِمْ ) عطف على الأميين الموجودين، سيأتي رجال آخرون من تلك الطبقة ولم يدركوا ماهم (وهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ رأى الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم رؤيا قال (رأيت في المنام أني أسقي غنما سودا، وبعد ذلك صرت أسقي غنما بيضا، أوّلها يا أبا بكر) فقال: أما السود فالعرب تتبعك، وأما البيض فالعجم تتبعك من بعد العرب.
قال: (بهذا أوله الملك)[1]. «وَءَاخَرِيلَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَفُواْ بِهِمْ» قال صلى اللّٰه عليه وسلم: (إن هنالك رجالا في أصلاب الرجال وفي أرحام الأمهات يدخلون الجنة بلا حساب ولا عقاب)2 وسئل رسول اللّه صلى اللّٰه عليه وسلم «وَاخَرِيرَ مِنْهُمْ» من هؤلاء؟ فوضع يده على سلمان الفارسي قال: قوم هذا، وما في المسجد رجل أسود إلا سلمان. وهذا بشارة للمسلمين الذين دخلوا الإسلام من البلاد العجمية.
فالرؤيا تعكس القضية دائما إذا رأيت أبيض في المنام فهو أسود وإذا رأيت أسود فهو أبيض، إذا رأيت أنثى فهي ذكر وإذا رأيت ذكرا فهو أنثى عالم النوم. «وَهُوَ ألْعَزِيرُ أَلْحَكِينُ) في ملكه وصنعه. وهذا بيان في فضل الصحابة المبعوث فيهم النبي صلى اللّٰه عليه وسلم، لا يُلحَق شأوهم، فكل من أتى على قدمهم فهو في ميزانهم. (خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)1 الصحابة والتابعون وتابعو التابعين. وقال: (خير أمني أولها وآخرها وفي الوسط الكدر) [2] يوجد في القرون الأخيرة قرن يلحق بهذه القرون الثلاثة ( دَلِكَ بَطْرَا أللَّهِ يُوتِيهِ مَنْ يَشَآءٍ النبي صلى اللّه عليه وسلم ومن ذكر معه {وَاللَّهُ ذُو ألْفَصْلِ الْعَظِيمُ مَثَلُ الذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرِيَةَ) كلفوا العمل بها (ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا)62:4-62:5 لم يعملوا بما فيها من نعته صلى اللّٰه عليه وسلم فلم يؤمنوا به صلى اللّٰه عليه وسلم (كَمَثَلِ اِلْحِبارٍ يَحْمِلُ أَسْوَارا )
علماء اليهود الذين لم يعملوا بما جاء في التوراة كحمار يحمل كتبا في عدم انتفاعه بها ( بِيسَ مَقَلُ الْفَوْمِ) بيس المثل هذا (ألذِينَ كَذَّبُوا بِئَايَاتِ اللَّهِ) المصدقة للنبي صلى اللّه عليه وسلم، والمخصوص بالذم هذا المثل، بيس المثل هذا المثل {وَاللَّهُ لا يَهْدِى ٱلْفَوْمَ
الظَّلِمِينَ) الكافرين {فُلْ يَأَيُّهَا ألذِيسَ هَادُوا) اليهود وإِن زَعَمْتُمُرَ أَنَّكُمُرَ أَوْلِيَاءُ لِلهِ مِن دُوبِ النَّاس فَتَمَنَّوُا أَلْمَوْتَ إِى كُنتُمْ صَدِفِينَ) اليهود قالوا إنهم أبناء اللّه وأحباؤه، مرادهم أنهم أبناء عزير وعزير قالوا ابن الله، وأبناء الخليل والخليل خليل الله، فهم أبناء اللّٰه وأحباؤه لأنهم أولاد عزير، ومن ذرية إبراهيم، كذبتهم الآية إن كنتم حقا أولياء اللّٰه وأحباءه «بَتَمَنَّوْاْ الْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَدِفِينَ». هذه الدنيا مقر أكدار، لا يطيب فيها عيش غالبا، فمن تحقق أنه ما بينه وبين دخول الجنة إلا الموت يستعجل الموت. فاليهود إذا كانوا هكذا فليتمنوا الموت ليخرجوا من دار الأكدار ويصلوا إلى النعيم المقيم (وَلا يَتَمَنَّوْنَهُو أَبَدآ) وهذا في حق اليهود أما المسلمون فالرسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه وسلم يقول: (لا يتمنين أحدكم الموت لأنه إن كان محسنا فإن عاش يزداد إحسانا، وإن كان مسيئا فلعله أن يتوب إلى اللّٰه تبارك وتعالى ويصير محسنا) [1] فلا تجد المسلمين يتمنون الموت، يبقون في خدمة خالقهم، والموت يعزلهم عن هذه الخدمة إلا أفراد أهل محبة شديدة احترقوا بنار المحبة فلم يصبروا على الفراق فتمنوا الموت. النادر لا حكم له. و(من أحب لقاء اللّٰه أحب اللّه لقاءه ومن كره لقاء اللّٰه[1]
كره اللّٰه لقاءه) [1] «ولاً يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدأ) (بِمَا فَدَّمَتَ آيْدِيهِمْ) من كفرهم بالنبي صلى الّٰه عليه وسلم (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّلِمِينَ)2:95 الكافرين. سأل سليمان بن عبد الملك أبا حازم: ل نكره الموت؟ قال: لأنكم عمرتم الدنيا وخربتم الآخرة ولا تحبون أن تخرجوا من العمارة إلى الخراب. أهل اللّٰه هم الذين عمروا الآخرة فأحبوا أن يخرجوا من الخراب إلى العمارة. الأمر هكذا. كل من يرجو شيئا في الآخرة لا يكره لقاء الله، ومن لا خير له في الآخرة فجنته الدنيا لا يحب أن يخرج من الجنة إلى النار (فَلِ إِلَّ ألْمَوْتَ أَلذِى تَمِرُّونَ مِنْهُ بَإِنَّهُ مُلَّفِيكُمْ) على أن الموت لا فرار منه، فكل من فر منه يلقاه، إن فر أحد عن موته تبعه (ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَلِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ)62:8 عالم السر والعلانية {جَيُنَبِئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) فيجازيكم به (يَأَيُّهَا ألذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوْةِ مِنْ يَوْمِ ٱلْجَمُعَةِ بَاسْعَوا) فامضوا (إِلَى ذِكْرِ اللِّ)62:9-62:10
صلاة الجمعة (وَذَرُواْ ألْبَيْعَ) اتركوا البيع والشراء (ذَالِكُمْ خَيْرٌ لَكُمُ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ أنه خير فافعلوه. يوم الجمعة هو يوم المسلمين. هذا اليوم الذي اختلف فيه الأمم قبلكم فاهتديتم إليه. فنحن الاخرون السابقون، اليوم لنا وغدا لليهود وبعد غد للنصارى. إذا كان يوم الجمعة اتركوا البيع والشراء واذهبوا إلى ذكر اللّٰه الذي هو الصلاة. أحل اللّٰه البيع، ولكن كثر فيه الكذب والخيانة والدس، فصارت الأسواق محل الشيطان، فلهذا نترك الأسواق والبيع والشراء لإقامة صلاة الجمعة. هذا الذكر يعني الصلاة، لا يمكن إلا بترك البيع والشراء، بخلاف الذكر آخر الآية "وَانتَشِرُواْ فِى الأَرْضِ وَابْتَغُواْ مِن بَضْلِ ٱللَّهِ وَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا هذا ذكر اللّه باللسان لا ينافي الاشتغال بالبيع والشراء " رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَرَةٌ وَلَاَ بَيْعٌ عَى ذِكْرِ اللَّهِ" (إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الأول فالأول، حتى إذا جاء الإمام طووا الصحف وجلسوا يستمعون الذكر) [2] وكان النداء في زمن النبي صلى اللّٰه عليه وسلم وزمن أبي بكر وزمن عمر يؤذن مؤذن واحد، إذا جلس الإمام على المنبر قام المؤذن وأذن وإذا نزل أذن أذانا ثانيا هو الإقامة فتقام الصلاة.
فلما كثر الناس زاد عثمان نداء ثالثا/ يؤذن في داره بالزوراء لينفر الناس من الأسواق، فإذا اجتمعوا في المسجد أذن المؤذن وأقيمت الصلاة. فتوهم بعض العلماء أن هؤلاء ثلاثة مؤذنين فجعلوا الموذنين ثلاثة واحدا بعد واحد فهذا غلط على غلط، إنما الأذان الذي أحدثه عثمان وسلمه الصحابة الأذان الأول لاجتماع الناس في المسجد، أذان الزوال، والثاني هو الأذان الذي كان على عهد النبي صلى اللّٰه عليه وسلم والثالث الإقامة فقط ما ثم ثلاثة أذانات مطلقا، لا أصل له، إنما وهم على وهم. والجُمعة الحكمة فيها أن اللّٰه تبارك وتعالى خلق الخلائق، خلق الأشياء كلا جمادا وناميا وحيوانا. والحيوان منه بشر إنس وجن وبَهائم وأشرف هذه المخلوقات هو الإنسان وَلَفَدْ كَرَّمْنَا بَنِيَ ءَادَمَ
مَ" وهذه المخلوقات
كلا خلقها اللّه للإنسان "هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا" وخلق الدنيا سبعة أيام، آخر ما خلق آدم أبا البشر، وخلق زوجته حواء وزوجه إياها في ذلك اليوم. عادة الكريم إذا أقام مأدبة لإكرام أناس يهيئ كل شيء قبل أن يدعوهم، فالإنسان هو محل كرامة اللّٰه
تبارك وتعالى. لما أراد إكرام الإنسان، خلق الدنيا من يوم الأحد إلى يوم الجمعة، ففرغ من كل شيء فأتى بالإنسان الذي يريد إكرامه بهذه الأشياء. فكان من حق الإنسان أن يتخذ يوم عيد في يوم من الأيام لشكر هذه النعمة وحمد اللّٰه تبارك وتعالى، فكان ذلك اليوم يوم الجمعة. كانت العرب تقول: عروبة، ولما كان العيد لا يكون إلا نهارا كانت صلاة الجمعة نهارا وسط اليوم في القيلولة. ولما كان يوم العيد لابد فيه من اجتماع الناس، لا تجوز صلاة الجمعة إلا في المسجد، الإنسان لا يقدر أن يؤدي الجمعة في بيته ولا أفراد من الناس يؤدونها كيف شاءوا، عكس الصلوات، بل في المسجد الجامع لأنه عيد لابد من اجتماع الناس فيها، والعيد لابد فيه من خطبة، ثناء على اللّٰه تبارك وتعالى وشكره على ما أجرى للإنسان. ولما كان هذا كلا إذا زيد مع صلاة الظهر يكون الأمر أطول، نقص لنا ركعتين من صلاة الظهر فجعلت الركعتان الأوليان هما الخطبتان، والركعتان الأخريان هما الصلاة، فلهذا لا يجوز الكلام وقت الخطبة كما لا يجوز في الصلاة، لأن الخطبتين من الصلاة. هي نصف الصلاة فلما كان الأمر هكذا اجتمعنا يوم الجمعة وخطبنا وصلينا. وكان بعض الناس يزيدون إطعام طعام خلف الصلاة منهم من ترك هذا ومنهم من استمر عليه[1].
والأعياد في الإسلام ثلاثة: عيد يوم الجمعة، وعيد يوم الفطر، وعيد الأضحى. هذه هي أصول الأعياد للمسلمين. وكل أمة لها عيد وعيد كل أمة وكل دولة عند انتصارها أو عند ظفرها بمرادها، والمسلمون عيدهم عند تمام عبادتهم، فعيد الجمعة عيد لإتمام الصلوات الخمس في الأسبوع. الأسبوع يبتدئ من السبت وينتهي بالجمعة، وكل يوم كلفك اللّٰه خمس صلوات تؤديها فإذا أديت خمس صلوات في السبت، في الأحد، في الإثنين، في الثلاثاء، في الأربعاء، في الخميس، في الجمعة أعطاك اللّٰه عيدا لأنك استكملت ما عليك من[1]
الصلوات في الأسبوع. وعيد الفطر عند انتهاء رمضان معناه عيد إتمام صوم رمضان. وعيد ذي الحجة عبد الأضحى العيد الأكبر عند إتمام أعمال الحج. الحج من الإحرام إلى الوقوف بعرفات فإذا انتهت أعمال الحج أعطاك اللّٰه عيدا هو يوم النحر. وبعد هذه الأعياد المقررة شرعا عبد مولد النبي صلى الله عليه وسلم ما كان القرون الثلاثة يقومون بهذا العيد، أحدث بعد القرون الثلاثة، وهو أفضل ما أحدث لهذه الأمة، وجربوا بركته عيد ليلة المولد الليلة التي ولد فيها المصطفى صلى اللّٰه عليه وسلم ومنه نلنا كل خير. وهناك ليال وأيام لها فضائل، إن اللّه تبارك وتعالى فضل ما شاء على ما شاء، فضَّل بعض الأيام على بعض، وبعض الليالي على بعض، وبعض الشهور على بعض، (خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة)! حديث صحيح (وأفضل يوم عرفة) [2]. هذا في الأسبوع وهذا في العام. وإذا اجتمعا يكون الفضل أكبر. وليلة القدر نص القرآن أنها خير من ألف شهر، وليلة العيدين، ليلة المولد، ليلة عاشوراء، ليلة النصف من شعبان، وليلة الإسراء سبع وعشرين من رجب.
كل هذه الليالي فاضلة لزيادة ذكر الله، والعبادة فيها محمودة، والله حيث أمرنا بالمسابقة والمسارعة والمبادرة ينبغي أن ننتهز كل فرصة، هذا عيد صلاة الجمعة «إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوَةِ مِنْ يَوْمِ اِلْجَمْعَةِ وَاسْعَواْ إِلَىٰ ذِكْرِ اِللَّهِ» الصلاة «وَذَرُواْ أُلْبَيْعٌ» اتركوا البيع كل بيع عقد بعد
الأذان الأول حتى تنقضي الصلاة مفسوخ شرعا وكل عقدا «ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمُوَ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ» ( بَإِذَا فُضِيَتِ الصَّلَوَةُ بَانتَشِرُواْ مِي الأَرْضِ) أمر إباحة (وَابْتَغُواْ)) اطلبوا الرزق
*م بَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُعْلِحُونَ) أرشدنا تبارك وتعالى بعدما قضينا الصلاة من يوم الجمعة أن ننتشر في الأرض نبتغي ما يرزقنا من فضله تبارك وتعالى وأمرنا بذكر اللّٰه كثيرا، هذا اليوم يوم عيد وهذا العيد معناه ذكر اللّٰه تبارك وتعالى وشكره على إحسانه وإنعامه لبني البشر (لَعَلَّكُمْ تُعْلِحُونُ) تفوزون ( وَإِذَا رَأَوْا تِجَرَةً أوْ لَهْوا إنعَضُّوْاْ إِلَيْهَا كان الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم يخطب يوم الجمعة، وقد كان يصلي ركعتين ثم يخطب بعدهما [2]، ولما وقف للخطبة قدمت عير كان دحية الكلبي أتى بها من الشام فلما سمعوا ضرب الدفوف لقدوم العير خرج القوم كلا وذهبوا إلى العير وتركوا النبي صلى اللّٰه عليه وسلم غير اثني عشر رجلا: أبو بكر الصديق، عمر بن الخطاب، عثمان بن عفان، علي بن أبي طالب، طلحة، الزبير، سعد، سعيد، عبد الرحمن بن عوف، أبو عبيدة بن
الجراح العشرة المبشرون بالجنة، وبلال، وعبد اللّه بن مسعود، ما عدا هؤلاء خرجوا كلا إلى العير فلما رجعوا قال الرسول صلى اللّه عليه وسلم: (والذي نفسي بيده لولا الاثنا عشر الذين بقوا لسال لكم الوادي نارا)2 فعاتبهم اللّه تبارك وتعالى فقال: «وَاذَا رَأَوْاْتِجَرَةَ آوْ لَهْوا إنعَضُّوا إِلَيْهَا» لم يقل إليهما إذا رأوا تجارة انفضوا إليها أو لهوا انفضوا إليه فاكتفى بأحد الضميرين. اللهو: الدف والطبل الذي ينادي بقدوم العير. والتجارة الاشتغال بالبيع والشراء ( وَتَرَكُوكَ) يا رسول اللّه في الخطبة ( قَائِماً ذهبوا وتركوا النبي صلى اللّٰه عليه وسلم.
والصحابة مجتهدون، كانوا يظنون أن الصلاة انقضت والخطبة سواء من حضرها أو لم يحضرها فلهذا قدمها، قدم الشارع الخطبة على الصلاة حتى يعلموا تأكد حضور الخطبة.
والرسول صلى اللّٰه عليه وسلم ما خطب قط إلا قائما سألوا عالما هل كان الرسول يقعد
في خطبته؟ قال: ألا تقرأون القرآن؟ «وَتَّرَكْوكَ قَائِماً». الخطبة جالسا أول من فعلها معاوية بن أبي سفيان لضخامة جسمه كان يخطب جالسا[2] (فُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَرَةٌ وَالله خَيْرُ الرِّزِفِينَ)) هو الرازق لا رازق غيره ولكن على حسب أحسن الخالقين وأرحم الراحمين ولا راحم إلا هو، وخير الرازقين هو الرازق حقيقة، وغيره رازق مجازا، إذا فالرازق الحقيقي خير من الرازق المجازي. أرشدنا تبارك وتعالى بعد صلاة الجمعة أن نكثر من ذكر الله. فذكر اللّه مطلوب على كل حال وفي كل وقت وفي كل يوم ولا سيما يوم الجمعة، وكذلك الصلاة على النبي صلى اللّٰه عليه وسلم (أكثروا من الصلاة عليَّ في الليلة الغراء واليوم الأزهر، الليلة الغراء ليلة الجمعة واليوم الأزهر يوم الجمعة فإن صلاتكم تبلغني) [3] النبي صلى اللّٰه عليه وسلم عنده ملك موكل كل من صلى عليه يبلغ صلاته إلى
النبي صلى اللّٰه عليه وسلم: فلان بن فلان في المحل الفلاني صلى عليك عدد كذا، أما يوم الجمعة فيسمع صلى الله عليه وسلم بنفسه من المصلي [1] نصلي على النبي صلى اللّٰه عليه وسلم هنا حتى يسمعنا صلى اللّٰه عليه وسلم اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق ناصر الحق بالحق والهادي إلى صراطك المستقيم وعلى آله حق قدره ومقداره
العظيم.
مدنية إحدى عشرة اية
( بِثْمِ اللّهِ لرَّحْمَمِ الرَّحِيمِ إِذَا جَاءَكَ الْمَنَاصِفُونَ) هذه السورة نزلت في المنافقين في غوة بني المصطلق المريسيع رأسهم عبد اللّٰه بن أبي بن سلول. قال: "لَبِ رَجَعْنَآ إِلَى الْمَدِيَةِ
(1308) وفي رواية أخرى له من كتاب المناسك / باب زيارة القبور (وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم) (1746).[1]
لَيُخْرِجَرَّ الآعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَ يعني بالأعز نفسه الخبيئة وبالأذلِ رسولَ اللّٰه صلى اللّٰه عليه وسلم وأصحابه وقال كلمات فنزلت هذه السورة في حقه [1] فقاطعه المسلمون فأتاه قرباؤه وقالوا له: ائت رسول اللّٰه صلى اللّه عليه وسلم وتب إلى اللّٰه مما قلت ويستغفر لك رسول اللّه صلى اللّٰه عليه وسلم فامتنع وتكبر ولوى رأسه وقال: هكذا قهرتموني وأكرهتموني حتى تلفظت بالشهادتين، وقهر تموني حتى أديت الصلاة، وقهرتموني على الصوم والزكاة، الآن لم يبق لكم إلا أن أذهب أسجد لمحمد لا أفعل أبدا[2]. وعبد اللّٰه بن أبي وقيس بن نفتل وغيرهما كانوا منافقين أجسامهم جميلة وكاملة فإذا رآهم أحد لابد أن يعجب بهم، وإذا تكلموا
سمع الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم كلامهم لفصاحتهم وتزيينهم للكلام، يقولون بألسنته ما ليس في قلوبهم صفة المنافقين فنزلت في حقهم هذه السورة، وكان الرسول صلى اللّه عليه وسلم إذا صلى الجمعة قرأ بالجمعة والمنافقون. الجمعة ينشط المسلمين على الجمعة لما فيها من الخير، والمنافقون يعرض بالمنافقين ويؤنبهم. كانت صلاة الجمعة ما أداها الرسول قط فيما أعلم بغير هذه السور الأربع الجمعة والمنافقون والأعلى والغاشية[1]. والأئمة تركوها تماما وما فهمت من أين أخذوا هذا. (إِذَا جَاءَكَ اُلْمُنَامِفُونَ فَالُوا) بألسنتهم على خلاف ما في قلوبهم ( نَشْهَدْ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ)63:1-63:2 يقولون هذا {وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُو وَاللَّهُ يَشْهَدْ)
يعلم (إِنَّ الْمُنَامِفِينَ لَكَذِبُونَ) المنافقون يقولون: نشهد إنك لرسول الله، لو قالوا نعلم لا[1]
يكذبهم اللّٰه لأنهم يعلمون ولكن لم يشهدوا، أو الكذب القول بما يخالف اعتقاد الإنسان، إذا قال الإنسان خلاف ما في قلبه فهو كاذب. هم قالوا «إِنَّكَ لَرَسُولُهُو وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَامِفِينَ لَكَذِبُونَ» الكذب الإخبار بعكس ما تعتقد فكذبهم اللّٰه تبارك وتعالى، الذي قالوا حق ولكن هم ليس حقا عندهم أو لم يشهدوا، (إتَّخَذُواْ أَيْمَنَهُمْ جُنَّةً)58:16 سترة على أموالهم ودمائهم. الحق أنهم نطقوا بالشهادتين وحلفوا أنهم صادقون فيما يقولون لتسلم أموالهم ودماؤهم فقط (قَصَدُّوا) بها عَى سَبِيلِ اللَّهِ) عن الجهاد (إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)58:15 أعمالهم سيئة، قال فيهم عبارة حتى الكفار ما قالها في حقهم: «إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ»58:15 فالمنافق أسوأ عملا من الكافر لأنه يقول خلاف ما يضمر ( ذَالِكَ بِأَنَّهُمْ ءَامَنُوا) باللسان (ثُمَّ كَبَرْواْ)، بالقلب استمروا على كفرهم (قَطْبِعَ عَلَىٰ فُلْوبِهِمْ)) ختم اللّٰه على قلوبهم بالكفر بَهُمْ لا يَعْفَهُونَ) لا يفقهون الإيمان (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبْكَ أَجْسَامُهُمْ لجمالها هؤلاء من المنافقين كالجد بن قيس ومعتب بن قشير وعبد اللّٰه بن أبي بن سلول هؤلاء الثلاثة جمالهم بارع (وَانْ يَفُولُواْ تَسْمَعْ لِفَوْلِهِمْ) فصاحتهم كذلك (كَأَنَّهُمْ) من عظم أجسامهم لترك التفهم وخُشْبٌ مُسَنَّدَةٌ ممالة إلى الجدار شبه الله المنافقين بالخشب. خشب مسندة فقط إلى الجدار، ولم وصفهم بهذا الوصف؟ «كَأَنَّهُمْ خُشْبٌ مُسَنَّدَةٌ»63:3-63:4 الخشبة كانت شجرة رطبة فقطعت ويبست، فصار بعضها نافعا استعملت في السقف والجدران وبعض الخشب بقيت مسندة فقط لا انتفاع بها ولم تبق شجرة.
المنافقون هكذا خشب مسندة على الجدار لا انتفاع بها، لم تعد من جنس الشجر ولم تصل إلى السقف ولا الجدار، فالمنافقون هكذا كما وصفهم اللّٰه "مُذَبْذَبِيَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَىٰ هُؤُلَاءٍ[1]
وَلَا إِلَىٰ فَؤْلَاءٍ المنافقون هكذا لا فهم ولا تعقل ولا نفع { يَحْيِبُونَ كَلَّ صَيْحَةٍ ) تصاح كنداء في العسكر وإنشاد ضالة (عَلَيْهِمْ ) النفاق يلازمه الرعب دائما كلما سمعوا صوتا فزعوا يظنون أن الني أغار عليهم (هُمْ الْعَدْوُّ وَاحْذَرْهُمْ) فإنهم يفشون سرك وَلَهُ اللَّةُ أهلكهم (أَبَّى يُوبَكُونَ) كيف يصرفون عن الإيمان بعد قيام البرهان (وَاذَا فِيلَ لَهُمْ تَعَلَوْا) معتذرين (يَسْتَغْعِرْ لَكُمْ رَسُولُ أللَّهِ لَوَوْاْ رءُوسَهُمْ) عطفوا رؤوسهم تكيرا (وَرَأَيْتَهُمْ يَصْدُّونَ) يعرضون عن ذلك (وَهُم مُسْتَكْيِرُونَ) وصفهم بالفسق والكفر والاستكبار لتعديد مساوئهم والتشنيع بهم ( سَوَآءٌ عَلَيْهِمْدَ أَسْتَغْبَرْتَ لَهُمُدَ أَمْ لَمْ تَسْتَغْمِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْبِرَ اللَّهُ لَهُمْ وَ أخبر الحق تبارك وتعالى في سورة براءة لما طلب ابن أبي أن يستغفر له الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم أنه لا يغفر له وإن استغفر له الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم سبعين مرة فقال الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم أقدر على الزيادة فبين هنا أنه لن يغفر لهم أبدا {إِنَّ أللَّهَ لا يَهْدِ اِلْفَوْمَ الْعَسِفِينَ) وهم (هُمْ) المنافقون الكافرون المستكبرون الفاسقون جمعوا كل المساوي وألذِيرَ يَفُولُولَ) لأصحابهم ولاَ تُنعِفُوا عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ من المهاجرين حَتَّى يَنَضُّواْ يتفرقوا وَلِلهِ خَزَآبِلُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) اللّه تبارك وتعالى ذكر في آخر السورة أنه الرازق وخير الرازقين. وابن أبي يقول لشدة حماقته أنهم يمسكون النفقة عن أتباع الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم حتى يتفرقوا لم يعلموا أن اللّٰه هو رازقهم ( وَلَكِنَّ الْمُنَاعِفِينَ لا يَمْفَهُونُ ) سئل عابد من أين تجد النفقة؟ قال من خزانة ملِك لا تفنى خزائنه ولا يدخلها سارق ولا يدخلها السوس. هذا هو الذي يقدر أن يضمن الرزق. {(يَفُولُونَ لَبِ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيْخْرِجَرَّ الآعَزُّ) يعني نفسه (مِنْهَا ألأَذَلَ) يعني المؤمنين (وَلِلهِ الْعِرَّةُ ) الغلبة (وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُومِنِينَ وَلَكِرَّ ٱلْمَنَامِفِينَ لا يَعْلَمُونَ) اللّه تبارك وتعالى أخبر أن المنافقين لا يفقهون وأنهم لا يعلمون ختم الآية الأخيرة بيعلمون والأول
بيفقهون لأن العلم فوق الفقه بدليل أن اللّٰه تبارك وتعالى علم سليمان، كلهم فقِه ولكن العلم بالحكم خص به سليمان، والعزة أدق من النفقة لا يدركه إلا عالم فلهذا قال في الآية الأولى "وَلِلهِ خَزَآبِنُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ ٱلْمَنَاصِفِيَ لا يَعْفَهُونَ"، «وَلِلهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُوْلِهِ، وَلِلْمُومِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَامِفِينَ لا يَعْلَمُونٌ». العزة لله ولرسوله وللمؤمنين ولا يجوز لمؤمن أن يذل نفسه وهذا لا ينافي التواضع ولكن التواضع غير الضعة، المؤمن يتواضع أي يضع نفسه دون قدره ولكن لا يقبل الضعة: الذل. قيل للحسن بن علي بن أبي طالب سيد شباب أهل الجنة [1] : الناس يقولون إن فيك تيها، فيك بعض الكبر، قال: لا، تلك العزة «وَلِلهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُومِنِينَ» لا ينبغي لمؤمن أن يذل نفسه ولكن كل مؤمن يتواضع لله تبارك وتعالى، ولكن يرى أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين. القرآن ذكر الكبر والتكبر والاستكبار. الاستكبار لا يكون إلا بغير الحق، فلهذا تجد المستكبرين لهم وعيد بدخول النار دائما لأن الاستكبار استكبار بغير الحق دائما. والتكبر يكون بالحق وبغير الحق، فمن تكبر بغير الحق لحق بالمستكبرين، ومن تكبر بالحق ورد فيه: التكبر على المتكبر صدقة.
أبو دجانة صاحب رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه وسلم مشى مشية عجيبة يوم أحد فقال له الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم: ما هذا؟ قال: مشية أحباب اللّٰه تجاه أعداء الله، فقال: إن
اللّٰه يبغض هذه المشية إلا في هذا الموضع . يعني التكبر على المتكبر لا باس به. يَايُّهَا ألذِينَ ءَامَثُواْ لا تَلْهِكُمْء) تشغلكم (آمْوَلُكُمْ وَلَا أَوْلَدْكُمْ عَى ذِكْرِ اللَّ) الصلون الخمس ( رَمَنْ يَفْعَل ذَلِكَ بَأَوْلِّبِكَ هُم الكَديرُونَ) من اشتغل بالمال والولد عن طاعة له تبارك وتعالى ذلك خسران مبين. وورد أن (الولد مبخلة مجبنة)2 يورث البخل، تريد أن تنفق مالك فيبقى الأولاد ليس عندهم شيء، مجبنة تريد الجهاد فيقولون لك إذا استشهدت يبقى الأولاد أيتاما، مبخلة مجبنة. (وَأَنعِفُواْ مِ مَا رَزَفْنَكُم صِ قَبْلِ أَنْ يَاتِيَ أَحَدَكُنُ الْتَوْتُ فَيَفُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِحَ) هلا أخرتني (إِلَى أَجَلٍ فَرِيبٍ بَأَصَّدَّقَ) أتصدق بالركاة {وَأَكْر مِنَ الصَّلِحِينَ)) أصدقَ بالنصب وأكنْ بالجزم يجوز [3] (وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَمْسا إِنَا جَآءَ اجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ).
مكية وآياتها ثماني عشرة آية
استنبط بعضهم من هذه الآية عمر النبي صلى اللّه عليه وسلم لأن السورة تمام ثلاث وستين سورة وعقبت بالتغابن الذي هو ظهور الغبن لوفاته صلى اللّٰه عليه وسلم. فالرسول صلى اللّه عليه وسلم عمره ثلاث وستون سنة عدد السور من البقرة إلى آخر هذه السورة. وفهم ذلك المستنبط وفاة الرسول بعد ثلاث وستين سنة فكان كما فهم !.
(بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَلِ الرَجِيمِ يُسَبِّحُ لِلهِ مَا فِى السَّمَوَاتِ وَمَا فِى الأرْضِ) كل ما في السماوات وما في الأرض جمادا وناميا وحيا تسبيحا مستمرا بلغته التي يعلمها اللّٰه تبارك وتعالى ولَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ اللّه تبارك وتعالى له الملك وحده وله الحمد في الأولى والآخرة ووَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَءٍ فَدِيرُم، لما كان هو الملِك وأفعاله حميدة اقتضى ذلك أن يكون قادرا على كل شيء (هُوَ ألذِى خَلَفَكُمْ جَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُومِنٌّ) في أصل الخلقة ثم يميتهم ويعيدهم على ذلك. قسّم الخلائق قسمين: هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي وهؤلاء إلى النار ولا أبالي [2] فجاء الخلائق على قسمين كافر ومؤمن، رفعت الأقلام وجفت الصحف [3] ( وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلَونَ بَصِيرٌ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ)64:2-64:3 خلق صوركم (بَأَحْسَنَ صُوَرَكْمْ) إذ جعل شكل الآدمي أحسن الأشكال {وَإلَيْهِ الْمَصِيرٌ يَعْلَمُ مَا فِ السَّمَٰوَاتِ
وَالأَرْضِ وَيَعْلَمْ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تَعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) بما فيها من الأسرار والمعتقدات (أَلَمْ يَاتِكُمْ) ياكفار مكة (تَبَوَاْ لذِيلَ كَقَرُواْ مِ قَبْلُ) ما حملكم على الإستمرار على الكفر ألم تسمعوا خبر من قبلكم من الكفار جَذَافُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ ) عقوبة
كفرهم في الدنيا وَلَهُمْ في الآخرة عَذَاب ليم بل ذلِ ذاب الدني بَنَّهُ ا
أي الشأن (كَانَت تَاتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَٰتِ الحجج الظاهرات على الإيمان ( جَفَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَتَام اللّه لا يرسل إلا بشرا؟ لا يمكن أن يكون بشر رسولا (كَبَرُواْ وَتَوَلَّا) عن الإيمان (وَاسْتَغْنَى اللَّهُ) عن إيمانهم وَاللَّهُ غَنِيٌّ عن خلقه ( حَمِيدٌ) محمود في أفعاله (زَعَمَ الذِينَ كَبَرْواْ أَن ههم (لَنْ يُبْعَثُوا) قال الكافرون إن البعث لا يقع (فُلْ بَلِى وَرَبِّجِ لَتَبْعَثْرَّ) أقسم الجليل أن الموتى سيبعثون يوم القيامة (ثُمَّ لَتْنَبَّوْنَ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَٰلِكَ عَلَى أللَّهِ يَسِيرٌ قًامِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ) محمد صلى الله عليه وسلم وَالتُّورِ) القرآن (الذى أَنزَلْنَا وَالَهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير واذكر (يَوْمَ يَجْمَعْكُمْ لِيَوْم الْجَمْعِ} يوم الجمع يوم القيامة ( ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُ)64:8-64:9 يوم يغبن فيه المؤمنون الكافرين بأخذ منازلهم وأهليهم في الجنة لو آمنوا وَمَنْ يُومِنُ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَلِحاً نُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ، وَنُدْخِلْهُ جَنَّتِ تَجْرِى مِ تَحْتِهَا ألاَنْهَرُ خَلِدِيرَ بِيهَا أَبَداٌ ذَلِكَ الْقَوْزُ الْعَظِيمُ وَالذِينَ كَبَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِايَتِنَآ) القرآن (أوْلَبِكَ أَصْحَبُ أَلبَارِ خَٰلِدِينَ جِيهَا وَبِيسَ الْمَصِيرُ) النار (مَا أَصَابَ صِ مُصِيبَةٍ اِلَّ بِإِذْلِ اللَّهِ بقضائه.
قال الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم لمعاذ: (اتق اللّٰه حيثما كنت) [1] وقال له ما معناه احفظ اللّه تجده تجاهك واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك، فإذا
1 - عن ميمون بن أبي شبيب عن معاذ أنه قال: يا رسول الله، أوصني. قال: اتق اللّٰه حيثما كنت أو أينما كنت قال: زدني. قال: أتبع السيئة الحسنة تمحها، قال: زدني قال: خالق الناس بخلق حسن».
».
أخرجه أحمد في مسنده: حديث معاذ (21047)
سألت فاسأل اللّٰه وإذا استعنت فاستعن بالله واعلم أن الأمة لو اجتمعوا كلهم على أن ضروك ما ضروك إلا بشيء قد قدره الله، وإن اجتمعوا على أن ينفعوك ما نفعوك إلا بشيء قد قدره الله، رفعت الأقلام وجفت الصحف)1 المؤمن في راحة يعلم أنه لا يكون إلا ما أراد اللّٰه وَمَنْ يُومِنْ بِاللهِ) في قوله إن المصيبة بقضائه (ويَهْدِ فَلْبَةٌ وه من علم أن كل ما وقع بحكم اللّٰه وقضائه ذلك قلبه قد اهتدى للصبر عليها (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيْمٌ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ بَإِن تَوَلَّيْتُمْ بَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِتَا الْبَلَغُ الْمُبِينُ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَّ وَعَلَى اللَّهِ جَلْيَتَوَكَّلِ اِلْمُومِنُونَ يَأَيُّهَا ألذِينَ ءَامَنُوا) سبب نزول هذه الآية أن بعض المسلمين أرادوا الهجرة فحبستهم زوجاتهم عن الهجرة بعدما آمنوا فبقوا إلى فتح مكة فأتوا ووجدوا الصحابة الذين أسلموا معهم كلهم صاروا فقهاء علماء يعلمون ويهدون الناس وهم ما زالوا في البداية فندموا على ذلك وحاولوا أن يوقعوا العقوبة على أزواجهم
2\. قال تعالى (يَأيُّهَا
ألِينَ ءَامَنْوْ إِنَّ مِنَ أَزْوَاحِكُمْ وَأَوْلَيِكُمْ عَدْوَأْلَّكُمْ وَاحْدَرُوهُمْ ) أن تطيعوهم بالتخلف عن الخير كالجهاد والهجرة (وَإِن تَعْبُوا) عنهم في تثبيطهم إياكم فلم تعاقبوهم ولم تفارقوهم (وَتَصْبَحُوا وَتَغْعِرْواْ بَإِنَّ أْللَّهَ غَبُورٌ رَحِيمٌ العدو من يخالف مرادك، إذا اختلفتم في المقاصد هذا أول العداوة، والزوجة مخالفة للزوج في مراده غالبا حتى هذا المجلس لو فعلنا ما تحب النساء لبقينا عندهن ولا نأتي للمسجد، لاسيما الجهاد، لاسيما الإنفاق، لاسيما أشد من ذلك، والمخالفة في القصد رأس العداوة فإذاً الأزواج والأولاد كثير منهم أعداء تجب مخالفتهم (إنَّمَا أَمْوَلُكُمْ وَأَوْلَدْكُمْ مِتْنَةُ لكم شاغلة عن أمور الآخرة وَاللهُ عِندَهُ أَجْرٌ عظِيم فلا تفوّتوه باشتغالكم بالأموال والأولاد. وقف الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم على المنبر خطيبا فنظر فإذا الحسن مقبل يعثر بثوبه ويسقط، فما ملك الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم نفسه حتى نزل عن المنبر وتلقى الصبي وحمله حتى رجع إلى المنبر وهو يحمله فقرأ هذه الآية «انَّمَآ أَمْوَلُكُمْ وَأَوْلَدْكُمْ مِتْنَةٌ» لما رأيت الصبي يعثر في ذيله ما ملكت نفسي حتى حملته وهذه فتنة الأبرار 1. ووقع له مرة ثانية كان التكبير للصلاة يوم العيد تكبيرة واحدة كسائر الصلوات، والحسن نشأ وتأخر نطقه، كبُر ولم يتكلم، والرسول صلى اللّٰه عليه وسلم يحبه
وجل: "يَأَيُّهَا ألذِيسَ ءَامَنُواْ إِنَّ مِنَ ازْوَاجِكُمْ وَأَوْلَدِكُمْ عَدْوَاً لَكُمْ بَاحْذَرُوهُمْ الآية. سنن الترمذي:
كتاب تفسير القرآن/ باب من (3239). انفرد به.
باب مناقب الحسن والحسين رضي اللّٰه عنهما (3707). وفي سنن النسائي: كتاب صلاة العيدين/ نزول الإمام عن المنبر قبل فراغه من الخطبة (1567).
ويصاحبه، فصاحبه إلى مصلى العيد، فلما وقف الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم وقال: اللّٰه أكبر، قال الحسن: اللّٰه أكبر قال الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم اللّٰه أكبر قال الحسن اللّٰه أكبر، فصار يكرر حتى كبر المصطفى صلى اللّه عليه وسلم سبع تكبيرات تذكر أنه في الصلاة ومضى في صلاته وبقيت ندبا إلى يومنا هذا «وَاللَّهُ عِندَهُ وَ أَجْرٌ عَظِيمٌ» فلا تفوّتوه باشتغالكم بالأموال والأولاد (جَاتَّفُوا اللَّهَ مَا أَسْتَطَعْتُمْ) "إتَّفُوا أللَّهَ حَقَّ تُفاتِهِ " نزلت أولا فسره الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم بأن تشكروه ولا تكفروه وتطيعوه ولا تعصوه وتذكروه ولا تنسوه. قالوا: ومن يطيق هذا يا رسول الله؟ فقال: «اتَّفُواْ اللَّهَ مَا إَسْتَطَعْتُمْ» قيل نَسخت
"إنَّفُوا اللَّهَ حَقَّ تُفاتِهِ" وقيل لا بل مفسرة لها، من اتقى اللّٰه ما استطاع فقد اتقى اللّٰه حق تقاته1. الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم يخاطبه الجليل "جَاسْتَغِمْ كَمَآ أَمِرْتَ" لأنه قوي. وهو
المستدرك: كتاب التفسير / باب شرح معنى: "يَأَيُّهَا ألذِيرَ ءَامَنُواْ إتَّفُواْ اللَّهَ حَقَّ تُفاتِهِ" (3209). وقال القرطبي في الجامع: وذكر المفسرون أنه لما نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول لله من يقوى على هذا؟ وشق عليهم، فأنزل اللّه عز وجل "جَاتَّفُواْ أللَّةَ مَا إسْتَطَعْتُمْ" فنسخت هذه الآية عن قتادة والربيع وابن زيد، قال مقاتل: وليس في آل عمران من المنسوخ شيء إلا هذه الآية وقيل إن قوله فاتقوا اللّٰه ما استطعتم بيان لهذه الآية والمعنى: فاتقوا اللّٰه حق تقاته ما استطعتم وهذا أصوب. تفسير القرطبي ج157/4 وفي تفسير الثعالبي ج308/4: قوله سبحانه: "اتَّفُوا اللَّةَ مَا أسْتَطَعْتُمْ" تقدم الخلاف هل هذه الآية ناسخة لقوله تعالى: "إتَّفُواْ أللَّهَ حَقَّ تُفاتِهِ" أو ليست بناسخة بل هي مبينة لها وإن المعنى اتقوا اللّه حق تقاته فيما استطعتم وهذا هو الصحيح قال الثعلبي قال الربيع بن أنس ما استطعتم أي جهدكم.
يخاطينا استقيموا ولن تحصواا لم تقدروا، اتقوا الله ما استطعتم فمن اتقى اللّه ما استطاع فقد اتقى اله، والناس على أقسام: عامى إذا اتقى اللّٰه تاب إلى اللّٰه تبارك وتعالى وخرج من كل خلق دني إلى كل خلق سني، والحواص عمتتلون الأوامر ويجتنبون النواهي ظاهرا وباطنا من حيث يرضى لا من حيث ترضى، وخواص الخواص لو خطر غير اللّٰه في قلوبهم سهوا لحكموا بأنهم مرتدون كما يقول ابن الفارض:
فلو خطرت لي في سواك إرادة
على خاطري سهوا حكمت بردتي 2
أي الردة في مقامه لا الردة إلى الكفر (وَاسْمَعُوا) ما أمرتم به سماع قبول ( وَأَطِيعُوا وَأَنمِفُواه في الطاعة (خَيْرا) يكن الإنفاق خيرا (لَانجُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَبْسِهِ، بَأَوْلُبِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونُ) الفائزون. ذكر الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم أن السخاء شجرة أصلها في الجنة وأغصائها في الدنيا، فمن كان سخيا أخذ بغصن منها فلم يتركه الغصن حتى ينتهي إلى الشجرة فيدخل الجنة، والشح شجرة في النار أغصانها في الدنيا فمن كان شحيحا أخذ بغصن من أغصانها حتى يدخله النار
3 ( إِن تُفْرِضُوا اللَّه فَرْضاً حَسَنارَ بأن تتصدقوا عن
سقتني حميا الحب راحةً مقلتي وكأسي محيا من عن الحسن جلت.
طيب قلب (يُضَعِفْهُ لَكُمْ من العشرة إلى سبعمائة إلى أكثر من ذلك. والقرض سماه قرضا لتتحقق بالجزاء. ذكر الرسول أنه ليلة أسري به رأى مكتوبا على باب الجنة: الصدقة بعشر أمثالها والقرض بثمانية عشر فقال يا جبريل ما بال القرض أكثر ثوابا من الصدقة والمصدق أعطى ماله وخرج منه تماما والمقرض سيرجع إليه ماله وهو أكثر ثوابا؟ قال جبريل:
لأن الصدقة ربما دفعتها إلى شخص ليس بمحتاج إليها في الحال، والمقترض لا يقترض إلا لحاجة\!. القرض لا يكون إلا قضاء للحاجة فلهذا جاء القرض أكثر ثوابا من الصدقة، فلهذا سمى اللّٰه الصدقة قرضا لتتحقق بالجزاء والمضاعفة «يُصَعِفُهُ لَكُمْ» ((وَيَغْمِرْ لَكُمْ)
ما يشاء وَاللَّهُ شَكْور) مجاز على الطاعة حَلِيم) يؤخر العقاب على المعصية وعَٰلِمْ الْغَيْبِ) السر وَالشَّهَدَةِ العلانية ( الْعَزِيز) في ملكه الْحَكِيمُ ) في صنعه.
سورة الطلاق
مدنية ثلاث عشرة آية
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ يَأَيُّهَا النَّبِءُ إِذَا طَلَّفْتُمْ النِّسَآءَ)1:1 النداء للنبي والخطاب لنا أو نزل في النبي صلى اللّٰه عليه وسلم نفسه. إن الرسول صلى اللّه عليه وسلم طلق حفصة بنت عمر، فاشتد ذلك على عمر فصار يقول يا ويح آل الخطاب لو رأى رسول اللّٰه صلى اللّٰه
قاده ذلك الغصن إلى النار). للدارقطني عن علي والبيهقي عن أبي هريرة. الجامع الصغير ج2/رقم
(4803).
عليه وسلم فيهم خيرا لما طلق بنتهم. وكان الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم إذا جاءه جبريل يعد عن النساء لا تحضر معه امرأة إلا عائشة قد تكون معه في لحاف واحد وينزل على جبريل فكانت ممن يرى جبريل 2. بعض الصحابة كانوا يرون جبريل، والذين رأوا جبريل في حياة النبي صلى اللّٰه عليه وسلم كلهم عموا بعد ذلك حتى عائشة عميت في آخر عمدا لأنها رأت جبريل، وابن عباس وآحاد من الصحابة، فجاء جبريل فقالت له عائشة: يا جبريل قل لربك يأمر النبي صلى اللّٰه عليه وسلم باسترجاع حفصة فذهب جريل ورجع وقال: إن ربك يأمرك باسترجاع حفصة بنت عمر فإنها قوامة صوامة وهي من نسائك في
الجنة1. فراجعها الرسول صلى اللّه عليه وسلم وكانت تسامي عائشة. وكانت زوجات النبي صلى اللّٰه عليه وسلم إذا رأين عائشة وقفن لها تعظيما لها إلا حفصة، فخاطبتها يوما: ما بالك كل النساء يقفن تعظيما لي إلا أنت؟ قالت لأنك بنت أبي بكر وأنا بنت عمر وكلتانا زوجة لرسول اللّه صلى اللّٰه عليه وسلم. قالت نعم ولكن لما طلقك الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم أنا التي أرسلت إلى اللّٰه تبارك وتعالى أن النبي يراجعك، فصارت تقف لها كما تقف لها سائر النساء. هذا في قضية التحريم التي ستأتي في السورة التي بعد هذه تطاول الأمر حتى طلق الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم حفصة بنت عمر وبعد ذلك أمره اللّٰه بمراجعته فراجعها «يَأَيِّهَا النَّبِءُ إِذَا طَلَّفْتُمْ النِّسَاءَ» أردتم الطلاق وقَطَلِفُوهُنَّ لِعِدَّتِهَِّ) أي في طهر لم تمس فيه. الطلاق في الحيض طلاق البدعة، تمسكها حتى تحيض وتطهر طهارة ما سستها فيها، فتطلق واحدة وتقصد الرجعة، ومندوب أن تشهد شاهدين على أنك تريد الرجعة، وإن طلقت طلقة واحدة لا تقصد الرجعة فهذه طلقة بائنة لك أن تجدد العقد، وإذا طلقت ثلاثا فلا يجوز أن تنكحها حتى تنكح زوجا غيرك (وَأَحْصُواْ الْعِدَّةَ()، احفظوها لتراجعوا قبل فراغها ( وَاتَّفُواْ اللَّهَ رَبَّكُمْ) أطيعوه في أمره ونهيه ولاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِصَِّ وَلَاَ يَخْرُجْسَ إِلَّ أَنْ يَاتِيَ بِفَحِشَةٍ زنى ({مُبَيِّنَةُ) فيخرجن لإقامة الحد عليهن ( وَتِلْكَ)
المذكورات (حُدْودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ وَفَد ظَلَمَ نَجْسَةُ ) لأنه عرضها إلى عقاب اللّٰه (لا تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ)65:1-65:2 الطلاق (أَمْرَا) أمر اللّه بأن تطلق واحدة وتنوي الرجعة لأن الإنسان يغضب ويظن أنه فرغ من المرأة وبعد هذا تراجعه محبة، لا تدري ماذا
يحدث إذاً فطلق طلقة واحدة (فَإِذَا بَلَغْرَ أَجَلَهُنَّ قاربن انقضاء عدهن (بَأَمْسِكُوهَرَّ)
بأن تراجعوهن (يمَعْرُوب) من غير ضرار (آوْ جَارِفُوهَنَّ بِمَعْرُوب) اتركوهن حتى تنقضي عدتهن ولا تضاروهن بالمراجعة (وَأَشْهِدُوا ذَوَىْ عَدْلٍ مِنْكُمْ على المراجعة أو الفراق، إذا أردت أن تطلق فأشهد ذوي عدل أنك تريد الرجعة أو الفراق (وَأَفِيمُواْ الشَّهَدَةَ لِلِ) لا للمشهود عليه أو له. النكاح عقد بمهر وولي وشهود. الشهادة في النكاح ما جاءت في القرآن. ذكِر النكاح ولم يذكر الإشهاد ولكن في الطلاق قال: " وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِنكُمْ" والطلاق فرع من النكاح فلما نص على الشهود في الطلاق تبين من ذلك أن العقد يجب أيضا فيه الإشهاد. فالنكاح في الشريعة المحمدية لابد من زوج وامرأة خالية من عصمة وعدة وعقد ومهر وشاهدين على الأقل، إذا اجتمع خمسة فهذا عقد شرعي «وَأَفِيمُوا الشَّهَدَةَ لِلهِ» (ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ، مَى كَانَ يُومِنْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) لأنه هو المنتفع به ( وَمَنْ يَتَّوِ اللَّهَ يَجْعَل لَهْد مَخْرَجا من كرب الدنيا والآخرة (وَيَرْزُفْهُ مِنْ حَيْثُ لَا بَحْتَسِبٌ) يخطر بباله. إن اللّٰه تبارك وتعالى تكفل للعبد المتقي أن يخرجه من كل كرب من كرب الدنيا والآخرة ويرزقه من حيث لا يحتسب لا يخطر بباله {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) في أموره ( جَهُوَ حَسْبَةَ) كافيه {إِنَّ اللَّهَ بَٰلِغٌ آمْرَه ) مراده (فَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءِ) كرخاء وشدة (فَدْرا) ميقاتا. وَالبي) اللواتي (يَبِسْ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِسَآئِكُمُوَ) المرأة المتجالة التي لا ترى الحيض (إِيِ إرْتَبْتُمْ) شككتم في عدتهن (مَعِدَّتُهرَّ ثَلَئَةُ أَشْهَرِ وَالج لَمْ يَحِضْرَ) لصغرهن كذلك عدتهن ثلاثة أشهر ({ وَأَوْلَتُ الاَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْرَ حَمْلَهَُّ والمرأة الحامل إذا نفست انقضت عدتها. أبواب العدة هكذا إن كانت عدة طلاق وهي حرة ترى الحيض فثلاثة قروء: تحيض وتطهر، تحيض وتطهر، تحيض وتطهر، ثلاث مرات هذه ثلاثة قروء. وإن كانت يائسة لا ترى الحيض فثلاثة أشهر، وإن كانت
صغيرة لم تر الحيض: كذلك ثلاثة أشهر. وإن كانت حبلى فأن تضع حملها. وإن كانت مرضعة ولا ترى الحيض ما دامت ترضع فعدتها سنة بيضاء تسعة أشهر حتى تتحقق بعدم الحمل وثلاثة أشهر بعد ذلك {وَمَنْ يَتَّوِ اِللَّهَ يَجْعَل لَهُ و مِنَ آمْرِهِ يُسْرَأك في الدنيا والآخرة (ذَلِتَ) المذكور في العدة (أمْرْ أَلَّهِ حكمه (أَنزَلَهُ إِلَيْكُمّ وَمَنْ يَتَّوِ اللَّهَ يْكَقِّرْ عَنْهُ سَيّنَاتِهِ، وَيَعْظِمْ لَهْرَ أَجْراً اسْكِنُوهنَّ) المطلقات (مِنْ حَيْثُ سَكَنت {مِنْ وَجْدِكُمْ)
المرأة إذا طلقت تبقى في سكنها حتى تنقضي عدتها (وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّفُواْ عَلَيْهِىَّ)
المساكن فيحتجن إلى الخروج أو النفقة فيفتدين منكم {وَإن كُرَّ أُوْلَتِ حَمْلٍ فَأَنهِفُواْ عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَصَعْرَ حَمْلَهُنَّ بَإِنَ أَرْضَعْرَ لَكُمْ) أولادكم منهن {جَاتُوهُنَّ أجُورَهُنَّ) على الإرضاع ( وَاتَمِرُوا بَيْنَكْم وبينهن (بِمَعْرُوبٌ) بجميل في حق الأولاد بالتوافق على أجر معلوم على الإرضاع ( وَإِن تَعَاسَرْتُمْ) تضايقتم في الإرضاع فامتنع الأب من الأجرة والأم من فعله (بَسَتُرْضِعُ لَه للأب (أخْرِى) امرأة أخرى ولا تكره الأم على إرضاعه (لِيُنعوْ على المطلقات والمرضعات ذُو سَعَةٍ صِ سَعَتِه،) من كان كثير المال ينفق نفقة كاملة (وَمَى فُدِرَ عَلَيْهِ رِزْفُهُ ) ضيق عليه رزقه ( جَلْيُنعِوْ مِمَّآ اتِيهُ) أعطاه اللَّ) على قدره ولاَ يُكَلِّفُ أَللَّهُ نَمْساً اِلاَّ مَآ ءَاتِيهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرِ يَسْرَاً وقد جعله بالفتوح (وَكَأَيّ) بمعنى كم وصِّ فَرْيَةٍ) كثير من القرى ((عَتَتْ) عصت يعني أهلها (عَرَ أَمْرِ رَبِّهَا عصوا اللّٰه تبارك وتعالى (وَرْسُلِهِ بَحَاسَبْنَٰهَا) في الآخرة وحِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَٰهَا عَذَابا نُكْراً عبر بالماضي لتحقق وقوعه (جَذَافَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا) عقوبته (وَكَانَ عَفِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً) خسارا وهلاكا ( أعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيدا تكرير الوعيد بالتوكيد {بَاتَّفُواْ اللَّهَ يَأُوْلِ الالْبَابِ) أصحاب العقول الذِيسَ ءَامَنُوا ) نعت للمنادى {فَدَ أَنزَلَ الَّه إلَيْكُمْ ذِكْرا هو القرآن (رَسُولًا) أرسل رسولا هو محمد صلى اللّٰه عليه وسلم.
S
أنزل دكرا وأرسل رسولا (يَثْلُواْ عَلَيْكُمْو ءَايتِ اللَّهِ مُبِيَّنَٰتِ ليُخْرِجَ ألِذِيَ ءَامَنُواْ وَعَمَلُوا أنشلحنه بعد بيء الذكر والرسول (ينَ ألطَلْمَتِ)) الكفر الذي كانوا عليه إلى
ألتور الإيمان الذي قام بهم بعد الكفر (وَمَنْ يُومِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَلِحاً نَدْخِلْهُ جَنَّتِ تَجْرِى صِ تَحْتِهَا ألأَنْهَرُ خَالِدِينَ جِيهَا أَبَدا قَدَ أحْسً اللَّهُ لَهْد رِزْفَأَمَ) هو رزق الجنة التي لا ينقطع نعيمها (اللَّهُ أَلذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ) إن اللّه تبارك وتعالى خلق السماوات سبعا (وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ)65:11-65:12 يعني سبع أرضين أيضا (يَتَتَزَّل الأمْرُ الوحي (بَيْنَهُرَّ) بين السماوات والأرض ينزل به جبريل من السماء السابعة إلى الأرض السابعة والِتَعْلَمَرَا}
أعلمكم ذلك الخلق والتنزيل ( أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَءِ فَدِيرٌ وَأَلَّ اللَّهَ فَدَ آحَاطَ بِكُلِّ شَمْ
عِلْمَا
سورة التحريم
مدنية اثنتا عشرة آية
( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَلِ الرَّحِيمِ يَأَيُّهَا النَّبِحءُ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ، سبب نزول هذه السورة أن الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم كانت عنده جارية تسمى مارية القبطية أهدى بها المقوقس الملك إلى رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه وسلم، فاتخذها رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه وسلم لنفسه حتى ولدت إبراهيم. والرسول صلى اللّٰه عليه وسلم ليس له بيت خاص به، فهو فهم معنى الرسول وأنه رسول فقط، والرسول لا يبني بيتا، أزواجه التسع كل واحدة منهن لها بيت وهو صلى اللّه عليه وسلم كلما أنت نوبة واحدة منهن انتقل إلى بيتها، ومارية جارية ليس لها بيت، ويوم من الأيام استأذنت حفصة رسول اللّه صلى اللّٰه عليه وسلم أن تزور أباها فأذن لها الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم فذهبت، ودخل رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه وسلم بينها ودخلت معه مارية الجارية، فلما رجعت حفصة ورأتهما غضبت غضبا شديدا وقالت: ب
نوبتي في بيتي في يومي؟ هذا لا أقبله أبدا. صار الرسول الكريم صلى اللّٰه عليه وسلم يعتذر لها فيزداد غضبها حتى قال لها: أيرضيك أن أحرمها؟ قالت: نعم. قال: حرمتُها وأبشرك أني إذا مت يكون أبو بكر هو خليفتي وبعد أبي بكر أبوك، وهذا كلا لا تخبري به أحدا وخرج الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم يظن أن الأمر انتهى، فلما خرج الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم قرعت باب عائشة وقالت لها: أبشركِ أن الرسول حرّم جاريته مارية القبطية وأخبرني بكذا وكذا وكذا فنزلت هذه الآية1. وسبب ثان أن الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم كان يحب العسل، وكان عند زينب بنت جحش عسل، فدخل الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم عليها فسقته عسلا وجلس يشرب العسل حتى طال مكثه في بيتها، فغارت عائشة وحفصة،
ج217-216/8.
وقالت إحداهما للنساء: رسول اللّه صلى اللّٰه عليه وسلم أبغض شيء عنده أن يقال له فيك رائحة كريهة إذا خرج من شرب العسل يدنو مني لا محالة فإذا دنا مني سوف أقول له فيك رائحة كريهة ويبعد مني، وإذا دنا من واحدة منكن فلتقل له مثلما قلتُ فيحرِّم العسل فنستريح من جلوسه في بيت زينب لشرب العسل. فخرج الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم ودنا من عائشة فقالت: يا رسول اللّٰه فيك رائحة كريهة. قال: لا، أنا شربت عسلا فقط.
قالت: لعل نحله جرستْ العرفط\!. لعل عسلك هذا من شجرة رائحتها كريهة. فتباعد الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم عنها ودنا من أخرى فقالت مثل ذلك، ودنا من أخرى فقالت مثل ذلك، فلما رجع إلى بيت زينب قالت له: أسقيك من العسل؟ قال: لا، حرمتُه علي.
فنزلت «يَأَيُّهَا ألتَّبِءَ لِمَ تَحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ» أمتك القبطية أو العسل 2 أيهما تحرم
من العضاه العرفط وهو مفترش على الأرض لا يذهب في السماء وله ورقة عريضة وشوكة حديدة حجناء وهو مما يلتحى لحاؤه ويصنع منه الأشربة ويخرج في برمه علفة كأنه الباقلي تأكله الإبل والغنم.
وقيل هو خبيث الريح وفي ذلك تخبث ريح راعيته وأنفاسها حتى يتنحى عنها، وهو من أخبث المراعي واحدته عرفطة. وفي الحديث أن النبي صلى اللّٰه عليه وسلم شرب عسلا في بيت امرأة فقالت له إحدى نسائه: أكلت مغافير؟ قال لا ولكني شربت عسلا، فقالت جرست إذا نحله العرفطَ. المغافير سمغ يسيل من شجر العرفط حلو غير أن رائحته ليست بطيبة والجرْس الأكل.
"لِمَ تُحَرِّمُ مَا
أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ" إلى قوله: "إِى تَتُوبَا لعائشة وحفصة " وَإِذَ اسَرَّ النَّيِءُ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ، حَدِيثًا" (لقوله.
(تَبْتَغِ) بتحريمها (مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ) رضاهن (وَاللَّهُ غَمُورٌ رَحِيمٌ) غفر لك هذا التحريم (فَدْ قَرَضَ اللَّهُ) شرع {لَكُمْ تَجِلَّةَ أَيْمَنِكُمْ) تحليلها بالكفارة، من حلف أو حرم شيئا على نفسه يُكفِّر بعتق رقبة فقط فيبقى حلالا، أما النبي صلى اللّٰه عليه وسلم فلا كفارة عليه فما كفر في هذه القضية لأنه لا كفارة عليه، الكفارة معناها تكفير الذنب وهو غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فلا كفارة عليه لا يتصور هذا في حقه صلى اللّه عليه وسلم. وقال مقاتل أنه أعتق رقبة في تحريم مارية وقال الحسن إنه لم يكفِّر صلى اللّه عليه وسلم وهذا هو الراجح «لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِن مَرْضَاتَ أَزْوَاجِةٌ وَاللَّهُ غَمُورٌ رَحِيمٌ فقَدْ جَرَضَ أُللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَٰنِكُمْ» (وَاللَّهُ مَوْلِيْكُمْ )) ناصركم (وَهُوَ ألْعَلِيمُ الْحَكِيمُ وَ)66:2-66:3 اذكر { إِذَ آسَرَّ النَّءُ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ، هي حفصة وحَدِيثاً) هو تحريم مارية وقال لها لا تفشيه (قَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ) عائشة ظنا منها أن لا حرج وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ) أطلعه (عَلَيْهِ) أي النبي صلى الله عليه وسلم عَرَّقَ بَعْضَهُ ) لحفصة ( وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ)66:2-66:3
تكرما دعا النبي صلى اللّٰه عليه وسلم حفصة: ألم أقل لك لا تفشي السر الذي أخبرتك به؟ فقالت: ما رأيت خيرا من عائشة قط تظن أن عائشة نمت فيه « قَلَمَّا نَبَّأْهَا بِهِ، فَالَتْ مَنَ اَنْبَأَكَ هَذَا) هي تتهم عائشة ( فَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ) اللّه فنشزت حفصة وعائشة قال اللّٰه تبارك وتعالى: ( إِن تَتُوبَآ إِلَى اللَّهِ بَفَدْ صَغَتْ فُلُوبُكُمَام مالت قلوبكما إلى تحريم مارية سركما ذلك مع كراهية النبي صلى اللّٰه عليه وسلم له، وذلك ذنب في حقكما بووَإن تَظَّعَرَاه تعاونا ( عَلَيْهِ على النبي صلى اللّٰه عليه وسلم (قَإِنَّ أْللَّهَ هُوَ مَوْلِيَ) إن تظاهرت
بل شربت عسلا). صحيح مسلم: كتاب الطلاق / باب وجوب الكفارة على من حرم امرأته ولم ينو الطلاق (2694 )، صحيح البخاري: كتاب الطلاق/ باب: "يَأَيُّهَا النَّيِءُ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ
( 5268)
عائشة وحفصة على النبي صلى اللّٰه عليه وسلم فالله ينصر النبي صلى اللّٰه عليه وسلم (وَجَبْرِيل) كذلك يأتي (وَصَلِحُ الْمُومِنِينَ) حتى أبو بكر وعمر والداكما سيكونان في جانب النبي صلى اللّٰه عليه وسلم عليكما (وَالْتَلِّبِكَةُ ) جميعا (بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرُه سيانِ الملائكة أيضا فيعينون النبي صلى اللّٰه عليه وسلم، أمر النساء كبير، هذا الجيش العظيم ضد امرأتين فقط. سأل ابن عباس عمر رضي اللّٰه عنهما «إِى نَظَّهَرَا عَلَيْهِ جَإِنَّ أَللَّهَ هُوَ مَوْليهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ ٱلْمَومِنِينَ وَالْمَلِّيِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ) من هما؟ قال: حفصة وعائشة\!
تطاولتا على النبي صلى اللّه عليه وسلم واشتد نشوزهما حتى طلق النبي صلى اللّٰه عليه وسلم حفصة فأمره اللّٰه بمراجعتها (إنها صوامة قوامة ومن نسائك في الجنة 2 (عَيى رَبُّهَةَ إِن ظَلَّفَكْنَّ) طلق النبي أزواجه { أَنْ يُبَدِّلَة أَزْوَاجا خَيْراً مِنكُرَّ) اللّٰه قادر على ذلك ( مُسْلِمَاتِ) يعطيه اللّٰه نساء مسلمات مقرات بالإسلام كمثلكن (مُومِنَتٍ) مخلصات كمثلكن (فَنِتَٰتٍ) مطبعات وتُبِبَتٍ عَبِدَاتٍ سِبِحَتٍ) صائمات أو مهاجرات
( تَيِّبَاتٍ) مثل حفصة (وَأَبْكَارا) مثل عائشة. هذا منصور صلى اللّٰه عليه وسلم. انتهت قضية أمر مارية القبطية. النبي صلى اللّٰه عليه وسلم ما تزوج من الأبكار إلا عائشة وكانت تقول: يا رسول اللّٰه لو رعيت إبلك وأتيت أرضا مخصبة لم ترع قط وأخرى طالما رعاها الرعاة في أيتهما ترتع إبلك؟ قال في الأرض المخصبة التي لم ترع قط. قالت: ذلك صفتي وصفة
ما عندك من النساء. وكانت أحب النساء إليه صلى اللّه عليه وسلم، ولكنه يقسم ويعدل، إذا قسم شيئا بينهن يساوي بينهن تسوية تامة، ويقول (اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك) 2 وهو القلب. أما القلب فكان يميل كثيرا إلى السيدة عائشة، وكان الصحابة عرفوا أن النبي صلى اللّٰه عليه وسلم يحب عائشة حبا زائدا، وإذا كان في يوم عائشة في بيتها، تكون الهدية التي تأتيه في ذلك اليوم أوقع في نفسه صلى اللّٰه عليه وسلم من كل هدية، فصار الأنصار يدخرون هداياهم إلى يوم عائشة، فإذا كان في بيت عائشة جاءته الهدايا، وكل ما يأتي فهو لها، فغضبت نساء النبي صلى اللّٰه عليه وسلم فاجتمعن وأرسلن أم سلمة أو زينب بنت جحش إلى رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه وسلم أخبري رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه وسلم أن نساءه ينشدنه العدل في بنت أبي بكر. فجاءت فكلمت الرسول فما أجابها، تكلمت كثيرا فما أجابها الرسول فسبت عائشة في وجهها فسكتت عائشة، فسبتها فسبتها ثالثة قالت عائشة: فنظرت إلى وجه رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه وسلم لأعرف هل يحب أن أجيب عن نفسي أو أسكت ففهمت أن النبي صلى اللّٰه عليه وسلم
صحيح البخاري: كتاب النكاح/ باب نكاح الأبكار (5077)
سنن أبي داود: كتاب النكاح/ باب في القسم بين النساء (1822). وفي سنن الترمذي: كتاب النكاح/ باب ما جاء في التسوية بين الضرائر (1059) بلفظ (اللهم هذه قسمتي ..)
يحب أن أجيب فاجبتها جوابا فرت من البيت فضحك النبي صلى اللّٰه عليه وسلم وقال ستعلمون أنها بنت أبي بكر. ثم أرسل النساء فاطمة فدخلت وقالت: نساؤك ينشدنك اللّه العدل في بنت أبي بكر. قال: (أنت بضعتي أتحبين ما أحب؟) قالت: نعم أنا لا أحب إلا ما تحب. قال: (إذاً تحبين عائشة فقط)\!. ويوما ألححن عليه في أنه لابد أن يقول لهن
فكلميه قالت: فكلمته حين دار إليها أيضا فلم يقل لها شيئا، فسالنها فقالت: ما قال لي شيئا، فقلن لها كلميه حتى يكلمك فدار إليها فكلمته فقال لها: لا تؤذيني في عائشة فإن الوحي لم يأتني وأنا في ثوب امرأة إلا عائشة، قالت فقالت: أتوب إلى اللّٰه من أذاك يا رسول اللّٰه ثم إنهن دعون فاطمة بنت رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه وسلم فأرسلت إلى رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه وسلم تقول: إن نساءك ينشدنك اللّه العدل في بنت أبي بكر فكلمته فقال: يا بنية ألا تحبين ما أحب؟ قالت: بلى، فرجعت إليهن فأخبرتهن، فقلن: ارجعي إليه فأبت أن ترجع، فأرسلن زينب بنت جحش فأتته فأغلظت وقالت إن نساءك ينشدنك اللّه العدل في بنت ابن أبي قحافة فرفعت صوتها حتى تناولت عائشة وهي قاعدة فسبتها حتى إن رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه وسلم لينظر إلى عائشة هل تكلم قال فتكلمت عائشة ترد على زينب حتى أسكتتها، قالت فنظر النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى عائشة وقال: إنها بنت أبي بكر.
صحيح البخاري: كتاب الهبة وفضلها/ باب من أهدى إلى صاحبه وتحرى بعض نسائه دون بعض
أيتهن أحب إليه، قال هذا أمر عظيم لابد له من وقت، فدعا قينا أن يصنع له خواتم متشابهة من الفضة حتى أتم تسعة خواتم إذا دخل على واحدة في نوبتها يعطيها خاتما:
اكتمي هذا السر عندك لا يعلم أحد أني أعطيتك هذا، إن فعلت هذا ستجدين مني شيئا عظيما. تقول: نعم، لا يعلم أحد بهذا. حتى دار بهن جميعا فرجعن وقلن له: سألناك أن تقول لنا أينا أحب إليك؟ فقال: التي دفعت لها الخاتم، فرجعن كلهن مسرورة وكلما خلت واحدة به تقول له ستثير فتنة عظيمة الناس سيعلمون أنك تعنيني. (يَآَيُّهَا ألذِينَ ءَامَنُواْ فُوَاْ أَنْمُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ) بالحمل على طاعة الله نَاراً وَفُودُهَا النَّاسُ الكفار وَالْحِجَارَةُ)
قوا أنفسكم نجوها من النار، قيل يا رسول اللّٰه وكيف ذلك؟ قال: بأن تقولوا يا أهلاه صلاتكم، صيامكم، زكاتكم، مسكينكم، يتيمكم ١ (عَلَيْهَا مَلْبِكَةُ) خزنتها عدئهم تسعة عشر كما سيأتي في سورة المدثر غِلَظ من غلظ القلب وشِدَاد) في البطش لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ) أي لا يعصون أمر اللّٰه ( وَيَفْعَلُونَ مَا يُومَّرُونَ) الملائكة ليس فيهم مخالفة لأنه ليس فيهم نفس، لا أكل ولا شرب ولا شهوة. {(يَأَيُّهَا ألذِينَ كَمَرْواْ لا تَعْتَذِرُواْ الْيَوْمَ) هذا يقال له يوم القيامة لا ينفع العذر {إِنَّمَا تُجْزَوْتَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) جزاء (يَأَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ تُوبُوَاْ إِلَى اللَّهِ تَوْبَةَ نَصُوحًا () صادقة بأن لا يعاد إلى الذنب ولا يراد
( 2581) وفي صحيح مسلم: كتاب فضائل الصحابة/ باب في فضل عائشة (4472) وفي لفظه:
(أي بُنية ألا تحبين ما أحب قالت بلى، قال فأحبي هذه). تقدم في الدرس 12.
العود إليه ( عَبِىٰ رَبُّكُمْوَ أَنْ يُكَعِّرَ عَنكُمْ سَيّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّتِ تَجْرِى مِ نَعْنَا الآنْهَرْ يَوْمَ لا يُخْزِك اللَّهُ) بإدخال النار التَّبِحةَ وَالذِينَ ءَامَنُوا يوم القيامة وهو يوم المصطفى صلى اللّه عليه وسلم يكرمه اللّٰه فيه ومن (مَعَهْد ولا يخزيهم (نَوْرُهُمْ يَسْعِى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ )66:7-66:8 أمامهم {(وَبأَيْمَنِهِمْ) يكون النور أيضا يَفُولُونَ رَبَّنَا أَثْمِمْ لَتَا نُورَتَا ) ما رلوا أن المنافقين طفئ نورهم، المسلمون يتضرعون إلى اللّٰه يطلبون إتمام نورهم إلى أن يصلوا إلى الجنة (وَاعْمِرْ لَتَام ربنا (إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يَأَيُّهَا أَلتَِّّءُ جَٰهِدِ ٱلْكُمَّارَ) بالسيف (وَالْمَنَامِفِينَ) باللسان والحجة (وَاغْلَظْ عَلَيْهِمْ)) بالانتهار والمقت (وَمَأْوبَهُمْ جَمَه
وَبِيسَ الْمَصِيرُ) أمر اللّٰه تبارك وتعالى نبيه بالجهاد جهاد الكفار وجهاد المنافقين، وأمه بالغلظ عليهم، وهذا الغلظ عليهم تعليم الحرب فقط، في ميدان الحرب لا يحسن إلا هذا، ولا ينافي أن النبي صلى اللّٰه عليه وسلم يعامل الناس معاملة طيبة. هو نبي الرحمة ورحيم بالناس كلا. هذا خطاب في ميدان القتال الذي لا يحسن فيه لين، ولا تحسن فيه رحمة، لا يحسن فيه إلا الغلظ أمام العدو. سؤال: الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم يأمره اللّٰه تبارك وتعالى بالغلظ «وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ» وموسى وهارون يأمرهما باللين "جَفُولاً لَهُو فَوْلًا لَيِّناَ لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرَ أَوْ يَخْشِىُ" الجواب أن موسى كان غليظا طبعا فأمر باللين، فإذا أمره اللّه باللين فتكلف اللين يكون معتدلا، والرسول صلى اللّٰه عليه وسلم كان هينا لينا فأمره اللّٰه بالغلظ، إذا تكلف أن يغلظ وهو لين يكون معتدلا وخير الأمور أوساطها، ( ضَرَبَ اللَّهُ مَتَلًا لِيَ كَجَرْوا هذا مثل في القرآن للكافرين (إِمْرَأَتَ نُوحِ اسمها واهلة بالهاء (وَاْرَأَتَ لُومَاه واسمها واعلة بالعين (كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ) كلتاهما زوجة لنبي من أنبياء اللّه عبد من عباد الّه الصالحين (بَخَانَتَهُمَا) في الدين إذ كفرتا، كانت امراة موح تقول لقومه إنه مجنون لا تلتفتوا إلى ما يقول، وامرأة لوط واسمها واعلة تدل قومه على
أضيافه إذا نزلوا به ليلا بإيقاد النار ونهارا بالتدخين. أما الخيانة بالفاحشة هذا لم يكن، ما ابتلى اللّٰه قط نبيا بزوجة تعمل الفاحشة أبدا لأن هذا قدح في الشريعة، في شرائع الأنبياء كلا. فالخيانة في الاية إنما قول زوجة نوح إن نوحا مجنون وكون واعلة زوجة لوط تُعلم الكفار بمجيئ الضيوف عند لوط ( جَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيئاً وَفِيلَ) لهما آَدْخُلاَ ألنَّارَ مَعَ اْلدَّخِلِينَ) وفائدة المثل أن تعلم المرأة أن الزوج الصالح الخيّر لا ينفع زوجة تخالف أمر اللّٰه وتخالف دين اللّٰه في شيء يوم القيامة. لو كان عمل الزوج ينفع الزوجة الكافرة العاصية لنفع نوح ولوط زوجتيهما. وعمل السوء من الزوجة لا يضر الزوج الصالح حيث أن هاتين المرأتين كافرتان وما ضر ذلك شيئا في مقام نوح ولا في مقام لوط "وَلاَ تَزِرْ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرِى" هذا هو مصب المثل. العبدان بقيا عبدين لله صالحين في الدرجات العلى.
والزوجتان قيل لهما «أدْخُلا ألنَّارَ مَعَ ألدَّ خِلِينٌ» أي كفار قوم نوح وكفار قوم لوط. ( وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلَا لِلذِينَ ءَامَنُواْ إمْرَأْتَ مِرْعَوْنَ) كذلك العكس المرأة الصالحة إذا كان زوجها كافرا لا يضر ذلك مقامها. امرأة فرعون آمنت بموسى واسمها آسية فعذبها فرعون بأن أوتد يديها ورجليها وألقى على صدرها رحى عظيمة واستقبل بها الشمس حتى ماتت فكانت تظللها الملائكة في أثناء عذابها 1، هذه لم يضرها فرعون مع سوء حاله (إِذْ فَالَتْ ، حال التعذيب ( رَبِّ إبْرِ لِي عِندَكَ بَيْتَاَمِى الْجَنَّةِ فكشف لها فرأته وهي حية فسهل عليها التعذيب ما أحست بالألم (وَنَجِّنِ صِ مِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ ) وتعذيبه ( وَنَجِّنِ مِنَ الْفَوْمِ الظَّلِمِينَ) آسية آمنت بموسى وأحبته وتعلقت به وتمسكت بدينه فعذبها فرعون أشد العذاب، فطلبت من اللّه تبارك وتعالى أن يبني لها بيتا عنده في الجنة فصاح الملائكة: يا رب أمتك تعذب فيك ولم تطلب منك إلا بيتا. فقال الله: تأملوا كلامها، هي ما طلبت بيتا في الجنة فقط بل بيتا
عندك في الجنة. بيت في الجنة طيب، وبيت في الجنة عند اللّٰه أطيب من كل بيت. العبد إذا نظر في وقته هو عند اللّٰه ليس فيه إلا الله حتى في الدنيا يكون طيبا فكيف ببيت في الجنة صاحبه عند اللّٰه تبارك وتعالى؟ هذا مطلب عظيم. «وَنَجَنِه سِ جِرْعَوْلَ وَعَمَلِهِ.)
تعذيه « وَتَجْنِ مِنَ ألْقَوْمِ الظِّلِمِينَ» أهل ملته فقبض اللّٰه روحها ورفعت إلى الجنة حية فيي تأكل وتشرب في الجنة وهي من نساء رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه وسلم هي ومريم وكلتوم أخت موسى. رجع رسول اللّه صلى اللّٰه عليه وسلم ذات يوم وقال لخديجة: أعلمتِ أن اللّه تبارك وتعالى زوجني بمريم بنت عمران أم عيسى وآسية بنت مزاحم زوجة فرعون وكلثوم بنت عمران أخت موسى بن عمران؟ قالت: بالرفاء والبنين 1. هذه ترقت. ( وَمَرْيَمَ) اذكر مريم عطف على امرأة فرعون ليس في القرآن اسم امرأة إلا مريم، ذكرت في القرآن ثلاثين مرة لبيان أنها أمة ليست بزوجة، فالكبير لا يصرح باسم زوجته في الملا، فلما كرر اسم مريم علمنا أنها أمة 2 (أَبْنَتَ عِمْرَنَ التِى أَحْصَنَتْ بَرْجَهَا، حفظته ما مسها رجل قط (بَنَبَخْنَا
فقالت: بالرفاء والبنين. رواه الطبراني، مجمع الزوائد (84251).
فِيهِ صِن رُوحِنَا جبريل حيث نفخ في جيب درعها بخلق اللّٰه تعالى فِعْلَه الواصل إلى فرجها فحملت بعيسى. مريم ابنة عمران حملت من نفخ روح اللّٰه فولدت عيسى بن مريم. إن الله تبارك وتعالى ذكر في القرآن النفخ في طين آدم منه فجاء آدم بشرا بعدما كان جمادا وصار خليفة عن اللّٰه تبارك وتعالى، ونفخ جبريل في جيب مريم فحملت بعيسى روح اللّٰه فنفسته فحملته "وَأَتَتْ بِهِ، فَوْمَهَا تَحْمِلُةُ " فتكلم في المهد وقال " إِنِّى عَبْدُ اللَّهِ ءَابِيْنِيَ الْكِتَبَ وَجَعَلَنِه نَبِيّئا وَجَعَلَنِي مُبَرَكاً آيْرَ مَا كُنتْ" ونفخ عيسى في الطين فصار طيرا بإذن الله تبارك وتعالى، ورد في الحديث (أول ما خلق اللّٰه الروح) سئل رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه وسلم عن هذا الروح فقال: (هو منزلته من الملائكة منزلة الملائكة منكم) أي خلق عظيم يحفظ الملائكة كما تحفظ الملائكة بني الإنسان 1، وذلك الروح هو روح محمد صلى اللّٰه عليه وسلم، هو الروح الذي نفخ في آدم حتى صار بشرا، والروح الذي نفخ في مريم حتى ولدت عيسى بلا زوج، وهو الروح الذي نفخ في النطفة حتى صارت ولدا إنسانا. معنى ذلك أن اللّه خلق محمدا لنفسه وخلق الأشياء لمحمد (أنا من نور اللّه والمؤمنون من نوري)2، أول ما
قالت النصارى في مريم ما قالت وفي ابنها صرح اللّه باسمها ولم يكنِّ عنها بالأمُوَّة والعبودية التي هي صفة لها وأجرى الكلام على عادة العرب في ذكر إمائها.
أوجد اللّٰه هذا النور، وهو هذا الروح، وهو الملك الكروبي في بعض الأحاديث، وهو الدرة البيضاء في بعض الأحاديث، وهو العقل في بعض الأحاديث، وهو الحقيقة المحمدية، عبارات مختلفة والمعنى واحد 1. فعيسى أبوه حقيقة هو محمد صلى اللّٰه عليه وسلم لهذا القرب ما كان بينهما نبي، وتزوج صلى اللّٰه عليه وسلم بأمه في الجنة، عادتنا نحن التزويج يسبق الولد ولكن هذا الولد ولد قبل أن يتزوج أبوه بأمه (وَصَدَّفَتْ بِكَلِمَٰتِ رَبِّهَا) شرائعه ( وَكِتَبِهِ) المنزلة، إن مريم كانت صديقة وآمنت بالله ويجميع أنبيائه ورسله وكتبه المنزلة ( وَكَانَتْ مِنَ الْفَنِتِينُ)) من القوم المطيعين لله تبارك وتعالى. هي امرأة في هيكل ذكر، امرأة في قوة الرجال فلهذا لم يقل وكانت من القانتات بل «وَكَانَتْ مِنَ ألْفَنِتِينٌ) الجمع
مذكر، إنما الصورة صورة امرأة وهي في الحقيقة رجل من الرجال، قال الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم: (كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا قليل مريم ابنة عمران وآسية بنت مزاحم زوجة فرعون)1 واختلف في أي هذه النساء أفضل. مريم قال اللّٰه في حقها
"يَمَرْيَمُ اقْنُتِ لِرَبِّكِ وَاسْجُدِع وَارْكَعِى مَعَ الرِّكِعِينَ، "إِنَّ اللَّهَ إصْطَمِيْكِ وَطَهَرَيِ وَاصْطَبِيْكِ عَلَىٰ نِسَآءِ الْعَلَمِينَ" .
ولكن يعني عالم زمانها. وآسية فضلها اللّٰه ولكن في عالم
زمانها، وخديجة في عالم زمانها، وأفضل النساء مطلقا هي السيدة فاطمة بنت الرسول صلى اللّه عليه وسلم بدليل أن الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم قال: (أنت سيدة النساء كما كنت سيد الرجال)، لأنها بضعة من الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم 2، وعائشة ورد فيها حديث (فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام) ولكن كلهن في عالم زمانها واختلف في خديجة وعائشة أيهما أفضل، خديجة من نظر في قيامها في بداية الوحي ونصرتها للنبي صلى اللّٰه عليه وسلم حتى قال الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم إنها بمنزلة هارون
194/2で
من موسى، من نظر في هذا وأنها أم أولاده صلى اللّه عليه وسلم ما عدا إبراهيم. اهل المحبة يفضلون خديجة. وعائشة التى حملت ثلثي شريعة محمد صلى اللّٰه عليه وسلم. العلماء يفضلون عائشة على خديجة وكلهن أفضل منها فاطمة التي هي بضعة من الرسول صلى اللّه عليه وسلم 1 وخلفت الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم حملت الخلافة ستة أشهر بعد وفاة
فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على الطعام، وبأن عائشة يوم القيامة في الجنة مع زوجها رسول اللّٰه صلى اللّٰه تعالى عليه وسلم وفاطمة يومئذ مع زوجها علي كرم اللّه وجهه وفرق عظيم بين مقام النبي صلى اللّٰه تعالى عليه وسلم ومقام على كرم اللّٰه تعالى وجهه، وأنت تعلم ما في هذا الاستدلال وأنه ليس بنص على أفضلية الحميراء على الزهراء وأما أولا فلأن قصارى ما في الحديث الأول - على تقدير ثبوته - إثبات أنها عالمة إلى حيث يؤخذ منها ثلثا الدين وهذا لا يدل على نفي العلم الممائل لعلمها عن بضعته عليه الصلاة والسلام ولعلمه صلى اللّٰه تعالى عليه وسلم أنها لا تبقى بعده زمنا معتدا به يمكن أخذ الدين منها فيه لم يقل فيها ذلك ولو علم لربما قال خذوا كل دينكم عن الزهراء وعدم هذا القول في حق من دل العقل والنقل على علمه لا يدل على مفضوليته وإلا لكانت عائة أفضل من أبيها رضي اللّه تعالى عنه لأنه لم يرو عنه في الدين إلا قليل لقلة لبثه وكثرة غائلته بعد رسول اللّٰه صلى اللّٰه تعالى عليه وسلم على أن قوله عليه الصلاة والسلام: إني تركت فيكم التقلين كتاب لنه تعالى وعترتي لا يفترقان حتى يردا على الحوض يقوم مقام ذلك الخبر وزيادة كما لا يخفى، كيف لا
أبيها قبل أن يتوفاها اللّه تبارك وتعالى صلى اللّٰه عليه وسلم ورضي عنهم جميعا. اللهم صل على سيدنا محمد وسلم.
وفاطمة رضي اللّٰه تعالى عنها سيدة تلك العترة. وأما ثانيا فلأن الحديث الثاني معارض بما يدل على أفضلية غيرها رضي اللّٰه تعالى عنها عليها فقد أخرج ابن جرير عن عمار بن سعد أنه قال: قال لي رسول اللّٰه صلى اللّٰه تعالى عليه وسلم: فضلت خديجة على نساء أمتي كما فضلت مريم على نساء العالمين بل هذا الحديث أظهر في الأفضلية وأكمل في المدح عند من انجابَ عن عين بصيرته عين التعصب والتعسف لأن ذلك الخبر وإن كان ظاهرا في الأفضلية لكنه قيل ولو على بعد إن أل في النساء فيه للعهد والمراد بها الأزواج الطاهرات الموجودات حين الإخبار ولم يقل مثل ذلك في هذا لحديث. وأما ثالثا فلأن الدليل الثالث يستدعي أن يكون سائر زوجات النبي صلى اللّٰه تعالى عليه وسلم أفضل من سائر الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام لأن مقامهم بلا ريب ليس كمقام صاحب المقام المحمود صلى اللّٰه تعالى عليه وسلم فلو كانت الشركة في المنزل مستدعية للأفضلية لزم ذلك قطعا ولا قائل به. وبعد هذا كله، الذي يدور في خلدي أن أفضل النساء فاطمة تم عائشة، بل لو قال قائل إن سائر بنات النبي صلى اللّٰه تعالى عليه وسلم أفضل من عائشة لا أرى عليه بأسا، وعندي بين مريم وفاطمة توقف نظرا للأفضلية المطلقة وأما بالنظر إلى الحيثية فقد علمت ما أميل إليه.
وقد سئل الإمام السبكي عن هذه المسألة فقال: الذي نختاره وندين اللّه تعالى به أن فاطمة بنت محمد صلى اللّٰه تعالى عليه وسلم أفضل ثم أمها ثم عائشة، ووافقه في ذلك البلقيني وقد صحح ابن العماد أن خديجة أيضا أفضل من عائشة لما ثبت أنه عليه الصلاة والسلام قال لعائشة حين قالت: قد رزقك الله تعالى خيرا منها، فقال لها: لا والله ما رزقني اللّٰه تعالى خيرا منها آمنت بي حين كذبني الناس وأعطتني مالها حين حرمني الناس وأزيد هذا بأن عائشة أقرأها السلام النبي صلى اللّٰه تعالى عليه وسلم من جبريل وخديجة أقرأها السلام جبريل من ربها. روح المعاني ج155 /3.