و اذكر {إِذْ نَتَفْنَا الْجَبَلَ) رفعناه من أصله قَوْفَهُمْ ) فوق اليهود ( كَأَنَّهُو ظلَّةٌ)
كأنه غمامة فوقهم وَظَنُّواْ أيقنوا وأَنَّهُو وَافِعْ بِهِمْ) ساقط عليهم بوعد اللّٰه إياهم بوقوعه إن لم يقبلوا أحكام التوراة كأنهم أبَوْها لثقلها، فقبلوا وقلنا لهم وخُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِفوَّةِ )
بجد واجتهاد. أمرهم اللّٰه تبارك وتعالى أن يقبلوا التوراة ويعملوا بما فيها بقوة واجتهاد (وَاذْكُرُوا مَا عِيهِ) بالعمل (لَعَلَّكُمْ تَتَّفُون) تتقون الله تبارك وتعالى، أمر بالجد والقوة فعلمنا أن سلوك طريق الحق لا يتأتى إلا بجد واجتهاد وقوة، فبالهوينا لا يدرك، لابد من اجتهاد ولابد من قوة، والقوة قوتان: أهل العبادات يسلكون الطريق بقوتهم، وأهل المحبة فانون عن أنفسهم يسلكون الطريق بقوة الحق وَ اذكر ه إِذَ آخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِهِ ءَادَمَ مِن ظَهُورِهِمْ ذَرَبِّتِهِمْ ذكر اللّه العهد القديم، أخذ من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم (وَأَشْهَدَهُمُ عَلَىَ أَنْبُسِهِمْ ) قال: ( أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ فَالْوا يَلِئ) هذا الميثاق وقع يوم عرفة بمحل يقال ل
نعمان [1]، أخذ اللّٰه العهد على أولاد آدم قبل وجودهم، كما قال الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم لعمر: (إن اللّٰه مسح ظهر آدم فخرج ذر بيض ومسح ظهره فخرج سود، فقال:
هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي وبعمل أهل الجنة يعملون حتى يموتوا على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخلون الجنة، وهؤلاء إلى النار وبأعمال أهل النار يعملون حتى يختموا بعمل من أعمال النار فيدخلون النار)[2]، قال قائل: يا رسول اللّٰه ففيم العمل؟ قال الرسول صلى اللّٰه
- عن ابن عباس عن النبي صلى اللّٰه عليه وسلم: (إن اللّٰه أخذ الميثاق من ظهر آدم عليه السلام بنعمان يوم عرفة فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرها بين يديه ثم كلمهم قبلا قال "أَكَسْتُ بِرَبِكُمْ" الآية. ابن كثير في قصص الأنبياء ص46 ط3 دار الجيل، وقال إسناده جيد قوي على شرط مسلم، وقال الحاكم صحيح الإسناد. وذكره الصاوي في حاشيته على الجلالين ج2/ ص106. [2]
"وَإِذَ آخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِتِ ءَادَمَ صِ ظُهُورِهِمْ ذُرِّبَّتِهِمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنمُسِهِمْدَ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ فَالُواْ بَلِىً شَهِدْنَآ أَى تَفُولُواْ يَوْمَ الْفِيَمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَمِلِينَ" فقال عمر بن الخطاب سمعت رسول اللّٰه صلى اللّه عليه وسلم يسأل عنها فقال رسول اللّٰه صلى اللّه عليه وسلم (إن اللّه خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فأخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون) فقال رجل: يا رسول اللّٰه ففيم العمل؟ قال فقال رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه وسلم (إن اللّٰه إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله اللّٰه الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله اللّٰه النار) سنن الترمذي: كتاب تفسير القرآن/ باب من (3001) وكذلك رواه أبو داود في سننه وأحمد في مسنده ومالك في الموطأ.
وورد في رواية للإمام أحمد عن عبد الرحمن بن قتادة السلمي أنه قال سمعت رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه وسلم يقول (إن الله عز وجل خلق آدم ثم أخذ الخلق من ظهره وقال هؤلاء في الجنة ولا أبالي وهؤلاء
عليه وسلم: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له)1 فمن خلقه اللّٰه للجنة يوفقه لأعمال الجنة، ومن خلقه للنار يوفقه لعمل أهل النار، جف القلم، رفعت الأقلام وجفت الصحف.
في النار ولا أبالي، قال فقال قائل: يا رسول اللّٰه فعلى ماذا نعمل؟ قال على مواقع القدر) مسند أحمد:
مسند الشاميين/ حديث عبد الرحمن بن قتادة السلمي (17000). وقد تقدم في الدرس 16 [2]
على ثلاثة صفوف، الصف الأول سمعوا خطاب الحق وشاهدوا جماله وأجابوا بمحبة وعيان:
بلى، والصف الثاني سمعوا الخطاب وشاهدوا الجلال، بينهم صف مع الحق تبارك وتعالى، حجاب ولكنه حجاب رقيق فسمعوا الخطاب بالإيمان، وشاهدوا الجلال فقالوا: بلى، وصف ثالث ما شاهدوا شيئا، بينهم وبين الخطاب حجب، فسمعوا جواب الصفين بلى، فقالوا: بلى تقليدا[1]. الصف الأول خرجوا رسلا وأنبياء وأقطابا، والصف الثاني خرجوا مؤمنين وعلماء، والصف الثالث رجعوا كفارا، ارتدوا. فلما قالوا بلى جميعا، خلطهم الحق جعلهم شيئا واحدا، فصار كل واحد يبتلع ما قدر اللّٰه له، فكل من ابتلع واحدا يلد ولدا، ومن ابتلع أكثر يلد أكثر، ومن لم يبتلع شيئا فلا يولد له، وشخص أسود ابتلع شيئا أبيض كافر يلد مسلما، والعكس كذلك، فردهم اللّٰه تبارك وتعالى كما كانوا، فلا تزال الدنيا قائمة مستمرة حتى يخرج آخر ولد من أولئك الأولاد الذين خرجوا من سلسلة بني آدم من أصلاب آبائهم قرنا فقرنا حتى يولد آخرهم. والرسول صلى اللّٰه عليه وسلم كما قال حذيفة أخبر الصحابة بكل شيء حتى بآخر مولود يولد فتقوم الساعة، فلهذا علمنا أن النبي كان يعرف قيام الساعة ولكنه سر مكتوم عنده.
قلنا إن الذرية عدم وظهور آبائهم عدم وآباؤهم عدم، فأظهرهم الحق أرواحا وخاطبهم وأجابوه، فبالجود وقع ما وقع لا بالوجود، فلهذا لا تكون النهاية إلا في البداية، إذا أحب اللّٰه عبده رده إلى بدايته فكان له سمعا وبصرا ولسانا ويداا، فلهذا سئل الجنيد عن النهاية فقال النهاية في البداية. فكما كانت البداية بالجود لا بالوجود، فكذلك النهاية بالجود لا بالوجود. سئل سهل التستري عن هذا العهد هل يتذكره قال: كأن الخطاب في أذني الآن قال سهل إنه يعلم تلامذته من ذلك الوقت ويريهم في أصلاب آبائهم إلى يومنا هذا. ن قص علينا قصة موسى مبسوطة، قص علينا قصة هذا العهد «وَإِذَ آخَذَ رَبُّكُ مِنْ بَنِتِ ءَادَمَ صِ ظَهُورِهِمْ ذُرِّيَّتِهِمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنمُسِهِمُدَ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ فَالَواْ بَلِين) لما قالوا بلى بسر هذا كل كتاب أنزله اللّٰه إلى القرآن الذي هو نهايتهم افتتح ببسم اللّٰه الرحمن الرحيم بحرف الباء يذكرنا بجوابنا في الأزل، كلنا قال بلى، والرسول صلى اللّٰه عليه وسلم بحكم كونه إماما للأنبياء والمرسلين لما تجلى الحق فقال ألست بربكم غرقت الأرواح كلا في التوحيد، فصاروا عدما محضا فلم يطيقوا الجواب فقال صلى اللّٰه عليه وسلم: بلى، فقال الرسل والأنبياء بلى، فكلهم قالوا بلى، هو أول من أجاب بهذا الجواب (شَهِدْنَا أَن تَفَولُوا) أن لا تقولوا وتَِّ ألْفِيَّمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَهِلِيرَ) الحكمة في هذا الميثاق يوم القيامة شيئان: أن لا يقول [1]
الكفار يوم القيامة إنهم ما كانوا عارفين بالتوحيد، فكلهم أقروا بهذا التوحيد في ذلك الميثاق، وإن ادعوا أنهم نسوه فالرسل أخبروهم وهم ثقات فقامت الحجة عليهم (أَوْ تَفْولُوَاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ ءَابَآؤْنَا مِ فَبْلُ قبلنا (وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمُ فاقتدينا بهم { أَقَتُهْلِكْنَا) تعذبنا (بِمَا بَعَلَ الْمُبْطِلُونَ) من آبائنا بتأسيس الشرك. لا يمكنهم الإحتجاج بذلك مع إشهادهم على أنفسهم بالتوحيد، والتذكير به على لسان صاحب المعجزة قائم مقام ذكره في النفوس، تذكرة الأنبياء كتذكره في أنفسهم ( وَكَذَٰلِكَ نُعَصِّلُ الأَيَاتِ) نبينها مثلما بينَّا الميثاق ليتدبروها (وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون عن كفرهم (وَاثْلُ عَلَيْهِمْ) اليهود نَبَأَ ألذة) خبر الذي ( اتَيْنَٰهُ ءايَتِنَا جَانسَلَغَ مِنْهَا) أعاذنا اللّٰه من ذلك، خرج بكفره كما تخرج الحية من جلدها وهو بلعام بن باعوراء من علماء بني إسرائيل، سئل أن يدعو على موسى وأهدي إليه شيء، فدعا، فانقلب عليه واندلع لسانه على صدره (بَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَرُ) فأدركه فصار قرينه (بَكَانَ مِنَ ألْغَاوِينٌ) قصة أخرى وهي قصة بلعام بن باعوراء، كان عالما إذا جلس للتدريس يحضر لمجلسه اثنتا عشرة ألف محبرة[2] أي دواة ينقلون أحاديثه وكان إذا أشكل عليه شيء نظر إلى اللوح المحفوظ، فلما كان موسى عليه الصلاة والسلام يقاتل أهل بلده وهم كفار طلب منه أهل بلده أن يدعو على موسى فامتنع، قال كيف أدعو عليه وديننا واحد وهو نبي من أنبياء اللّٰه وأنا مؤمن؟ امتنع، فجمع أهل البلد كثيرا من الهدايا وأتوا بها إلى زوجته وكانت تملكه فقبلت الهدايا وجاءت إليه قالت له: هؤلاء لهم حق الجوار لا بد أن تدعو اللّٰه لهم، امتنع أولا فما زالت به حتى قبل أن يدعو على موسى، فخرج وكان له جبل إذا أراد الدعاء يذهب إليه، فركب حماره يريد أن يذهب إلى الجبل ليدعو على موسى[1] [2]
فامتنع الحمار عن المشي، ضربه حتى كاد أن يقتله، فأنطق اللّٰه الحمار قال له: كيف أذهب وأنت تريد أن تدعو على نبي من الأنبياء، والملائكة وقوف أمامي بمنعونني من المشي؟ قزل عن الحمار ومشى بأقدامه إلى المحل معه الجماعة الكفار، فصار يدعو كلما دعا بسوع دعا على قومه وكلما دعا بخير دعاه لموسى، فقالوا له، انت اسمع ما تقول، أنت تدعو علينا وتدعو لعدونا؟ قال لهم لا أملك إلا هذا، اللسان تصرف الحق فيه هكذا، فعند ذاك اندلع لسانه حتى وقع على ركبتيه وخرج من جوفه نور فقال لهم: الآن سُلبت جميع ما كان عندى لم يبق الآن شيء منه، الاسم الذي أدعو به نسيته والإيمان ذهب عني لم يبق إلا المكر فقط، ولكن أدلكم على شيء إن فعلتموه ينفعكم أخرجوا نساءكم يتجردن ويدخلن في صفوف رجال جيش موسى ولا تمتنع امرأة عن رجل حاولها، فإذا زنوا أنزل اللّٰه عليهم العذاب، لا أعرف لكم حيلة إلا هذا، ففعلوا ذلك ووقع بنو إسرائيل في الفاحشة حتى جاء رجل إلى موسى يمسك أجنبية وقال: يا نبي اللّٰه لعلك تمنعني من هذا وتقول إنه حرام، قال موسى: نعم أمنعك من هذا وهو حرام، فوقع عليها بين يدي نبي اللّٰه موسى، فأنزل اللّٰه الطاعون فمات منهم سبعون ألفا في ساعة واحدة، فجاء شمعون كان من أنصار موسى فلما سمع بالقصة وكان عنده حربة من الحديد وهو قوي، جاء إلى الرجل والمرأة وهما في قبة والرجل عليها فضربهما بالحربة حتى جمعهما في الحربة ورفعهما إلى السماء وقال يا رب هكذا نفعل بمن يعصيك ويعصي نبيك، فكشف اللّٰه البلاء بعدما مات منهم سبعون ألفاً، فغلب المسلمون الكفار وأخِذ بلعام وجيئ به إلى رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه وسلم موسى فأمر به فقتل. بلعام هذا هو الذي يحكي اللّٰه قصته، كان يعرف الاسم الأعظم، وكان يتصرف فيه كيف شاء، «بَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَرُ بَكَاتَ مِنَ ألْعَاوِينَ» (وَلَيِبْنا لَ إِن [1]
منازل العلماء بِهَا بأن نوفقه للعمل (وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ سكن ( إِلَى الأرْضِ) الدنيا ومال إليها (وَاتَّبَعَ هَوِيْهُ) في دعائه إليها فوضعناه جَمَثَلّهُ ) صفته (كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ بالطرد والزجر يَلْهَتَ) يدلع لسانه ((اوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَتْ) وليس غيره من الحيوان كذلك، فصار بلعام مثل الكلب، الكلب لا يميز بين الكرامة والإهانة، إنما نظره إلى كسرة يأكلها فقط، لو رفعت الكلب وجعلته على فراشك أو جعلته أسفل سافلين وألقيت إليه كسرة فنظره إلى الكسرة فقط لا يميز بين الكرامة والإهانة، وبلعام كمثل الكلب كذلك لا يحب إلا الدنيا وهواه ولم يعرف الكرامة ولا الإهانة، فسلبه اللّٰه تبارك وتعالى ما أعطاه. هذا هو بلعام، سئل رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه وسلم لِمَ سلبه اللّٰه بعدما أعطاه ما أعطاه؟ قال: ما شكر اللّٰه قط 1؛ قيد النعمة الشكر. إنما تسلب النعم ممن لا يؤدي شكرها
"وَاتَّبَعَ هَوِيْهً" هذا تحذير من اتباع الهوى. فكل من كان تابعا لهواه وتحدثه نفسه أن ذلك لا يضره فلينظر إلى خطاب اللّٰه لأنبيائه، قال لداود "يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله" أوعد الأنبياء أنهم إن اتبعوا الهوى ضلوا فمن باب أولى غيرهم. الإنسان يعرف قدر نعمة اللّه تبارك وتعالى ويؤدي شكرها باللسان وبالعمل وبالحال (ذَالِكَ مَثَلُ الْفَوْمِ ٱلذِينَ كَذَّبُوا بِآيَتِنَا بَافْصُصِ اِلْفَصَصَ) على اليهود لَعَلَّهُمْ يَتَبَكِّرُونَ) يتدبرون فيها فيؤمنون سَاءَ مَثَلا الْفَوْمُ مثل القوم (الذِيسَ كَذَّبُواْ بِايَاتِنَا وَأَنمُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ بالتكذيب مَنْ يَهْدِ ٱللَّهُ بَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ بَاوْلَبِكَ هُمْ الْخَسِرُونُ وَلَفَدْ ذَرَأْنَا) خلقنا ولِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِبِّ وَالانس) اللّٰه تبارك وتعالى خلق خلقا كثيرا لجهنم من الجن والإنس (لَهُمْ فُلُوبٌ لاَّ يَعْفَهُونَ بِهَا) الحق (وَلَهُمْ أَعْيْرٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا دلائل قدرة اللّٰه تبارك وتعالى بصر اعتبار ( وَلَهُمُو ءَاذَالٌ لاَّ [1]
يَسْمَعُونَ بِهَا الآيات والمواعظ سماع تدبر واتعاظ {أَوْلُيِكَ كَالاَنْعَمِ ) في عدم الفقه والبصر والاستماع (بَلْ هُمْ أَضَّل)25:43-25:44) بل الأنعام خير منهم (أَوْلَيكَ هُمْ الْعَفِلُونَ) غفلوا عن اللٰه تبارك وتعالى. أخبر في هذه الآية أنه خلق كثيرا من الجن والإنس للنار فقط، الجن والإنس أكثرهم في النار بدليل حديث: يا آدم أخرج بعث النار، قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين. فعلى هذا تعلم أن الكفار من بني آدم أكثر من المسلمين، والحكمة في ذلك ظهور استغناء اللّٰه تبارك وتعالى عن كل ما سواه وعزة الإيمان. الشيء إذا قل يكون عزيزا، وقدرة اللّٰه تبارك وتعالى على حفظ المسلمين وإن قلوا وإن ضعفوا، وقوة رجاء المسلمين حيث أن لكل مسلم كافرا يفديه من النار، فكثرة الكفار تقوي رجاءنا أن كلنا عنده ما يكفيه من الفدية من النار، وإن قلنا إن هذا يقتضي أن الغضب غلب الرحمة والله يقول إنه كتب على نفسه الرحمة، وقال سبقت رحمتي غضي [2]، [1]
التوراة، وثلاثمائة في الإنجيل، وثلاثمائة في الزبور، وتسعة وتسعون . مائة إلا واحدا . في القرآن)، وهذه التسعة والتسعون ورد: (من أحصاها دخل الجنة) والجنة كما علّمنا القرآن ثلاث مراتب: جنة الأعمال وجنة الميراث وجنة الامتنان، جنة الأعمال "ادْخُلَواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ" وجنة الميراث كل مسلم ينال نصيبه من الجنة ونصيب كافر لو آمن وهذا ميراث، وجنة الامتنان. والدين على ثلاث مراتب أيضا: الإسلام والإيمان والإحسان، من أحصى هذه الأسماء في مقام الإسلام دخل جنة الأعمال، ومن أحصاها في مقام الإيمان دخل جنة الميراث، ومن أحصاها في مقام الإحسان دخل جنة الامتنان. إحصاؤها في مقام الإسلام هو أن يؤمن بها ويذكرها ويدعو اللّٰه بها، وهذا الإحصاء يكسبه أن يدخل جنة الأعمال، فكثرة ذكر اللّٰه تبارك وتعالى تقلب العبد إلى شيء غير ما كان عليه لأن الاسم إذا أكثر العبد من ذكره لابد يؤثر فيه، والإحصاء في مقام الإيمان أن يتخلق العبد بمعاني أسماء اللّٰه تبارك وتعالى: اللّٰه كريم رحيم عفو تتكلف أنت التخلق بهذه الأخلاق.
والإحصاء في مقام الإحسان التحقق بهذه الأسماء أن يجاهد العبد النفس حتى يمحوها من الوجود ويبقى اللّٰه تبارك وتعالى فصار مسمى بأسماء اللّٰه تبارك وتعالى عندما فني العبد وبقي بربه صار العبد مسمى باسم اللّٰه ومتصفا بصفات اللّٰه موجودا بوجود اللّٰه هذا هو التحقق، وهذه الأسماء أسماء اللّٰه تبارك وتعالى على جميع أعدادها لها كليات أو أمهات - عبارات العلماء - الشيخ التجاني يقول عسكرة الأسماء ومعنى ذلك أن أصل الأسماء أربعة: هو الحي لأن حياة اللّٰه تبارك وتعالى أول تجل، العالم، القادر، المريد، وهذه الأسماء هي نفس أسماء: هو الأول والآخر والظاهر والباطن. الحى تجلى في الأول أو هو الأول والعالم هو الآخر، والقادر هو الباطن، والمريد هو الظاهر. أصل أسماء اللّٰه كلها أربعة أسماء هو الأول والآخر والظاهر والباطن، وإن شئت قلت هو الحي العالم القادر المريد. إذا قلنا إن لله أربعة
أسماء فهذا مقام جمع الجمع خامس فصار له خمسة أسماء، فإن جعلنا لكل اسم ظهرا وبطنا يكون عشرة وبالإضافة إلى مقام جمع الجمع يكون أحد عشر، لله الآن أحد عشر اسما، فإذا ضربنا هذه الأسماء في الحضرات الثلاث الحقائق الثلاث التي تعرفونها جاءت ثلاثا وثلاثين - أحد عشر ثلاث مرات ثلاث وثلاثون، فلهذا قال صلى اللّٰه عليه وسلم:
(تسبحون اللّٰه دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين وتحمدون اللّٰه دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين
وتكبرون اللّٰه دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين والموفية المائة لا إله إلا اللّٰه وحده لا شريك له) [1] فإذا كان عند اللّٰه ثلاثة وثلاثون اسما الآن ضربنا تلك الأسماء كلا في الحضرات الثلاث جاءت تسعة وتسعين اسما وبالإضافة إلى مقام جمع الجمع هذه مائة اسم، فصار لنا مائة اسم كلها في القرآن، وإذا ضربنا هذه الأسماء في الحضرات الخمس جاءت خمسمائة اسم، وبالنظر إلى الظاهر والباطن أو إلى البطون والظهور جاءت ألفا، وبالإضافة إلى مقام جمع الجمع تكون ألفا وواحدا، وإذا تتبعنا هذا يكون الأسماء كلا هكذا، فلهذا «وَلِلهِ الاَسْمَآءُ الْحُسْنِىٰ»7:180-7:181 التسعة والتسعون «قَادْعُوهُ بِهَا» سموه بهذه الأسماء (وَذَروا اتركوا ( أَلذِينَ يُلْحِدْونَ ي أَسْمِئةٌ،) ورد في تسبيح الصلاة أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: تسبحون دبر كل صلاة إحدى عشرة تسبيحة، إحدى عشرة حمدلة، إحدى عشرة تكبيرة، فإذا
اللّه الله) [1]. وورد (إن لله ثلاثمائة رجل قلوبهم على قلب آدم، ولله أربعون رجلا قلوبهم على قلب موسى، ولله سبعة قلوبهم على قلب إبراهيم الخليل، ولله خمسة قلوبهم على قلب جبريل، ولله ثلاثة قلوبهم على قلب ميكائيل، ولله واحد قلبه على قلب إسرافيل، والواحد في الحديث هو الذي يعبر عنه الصوفية بالقطب والغوث والخليفة، وبهؤلاء الجماعة ترزقون وتمطرون، ولا تزال الدنيا بخير ما دام هؤلاء موجودين [2]، والرسول صلى اللّٰه عليه وسلم يقول إن عيسى سينزل على الأرض وأولئك موجودون. الحمد لله.
( وَالذِينَ كَذَّبُوا بِايَتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ)7:182 الاستدراج أن نأخذهم قليلا قليلا ( وَاأمْلِ لَهُمْ و أمهلهم {إِلَّ كَيْدِ مَتِينُّ) شديد لا يطاق. اللّٰه تبارك وتعالى أخبر أنه يستدرج بعض عباده، وأخبر أنه يملي للظالم ولكن لا يهمله، يُمهِل ولا يهمل. الاستدراج أن يكون العبد يعصي اللّه تبارك وتعالى ويوفر اللّٰه عليه نعمه فتحدثه نفسه أن هذا الذي يأتي به ليس به بأس، لو كان به بأس لما كانت نعم اللّٰه عليه هكذا، هذا استدراج حتى يأتيه الهلاك. والحكمة في إملاء الظالم هو تعليمنا نحن أن اللّٰه حليم لو شاء عاقب الجاني[1]
في أقل من طرفة العين، فإذا كان يمهله ويسبغ عليه نعمه وهو يظلمه - نشاهد الظلم من العبد ونشاهد نعم اللّٰه عليه - نتخلق بالحلم، ولكن هذا الإمهال ليس الإهمال (إن المى ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته) [1] "وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْفُرِىٰ وَهِىَ ظَالِمَةً للَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ " "إِنَّ كَيْدِ مَتِينُ شديد لا يطاق. ومن الاستدراج أن يكون العبد منتشر الصيت ولا يخاف من المكر في ذلك (أوَلَمْ يَتَمَكِّرُوا فيعلموا (مَا بِصَحِيهِ )
محمد صلى اللّٰه عليه وسلم صِ جِنَّةٍ) رموه صلى اللّٰه عليه وسلم بالجنون، لما رأوا حاله مخالفا لحالهم، هم مقبلون على الدنيا والتكاثر وحب الشهوات، وهو معرض عن هذا كلا قالوا: هذا لا عقل عنده، مجنون، وقيل نزلت لما قال اللّٰه تبارك وتعالى "وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأفْرَبِينَ" فصعد على جبل الصفا وصار ينذر الليل كلا: يا بني فلان، يا بني فلان إني أحذركم من عذاب يوم الآخرة، يدعوهم إلى الإيمان حتى أصبح الصبح، فلما أصبحوا قالوا لا شك عندنا الآن في جنون محمد [2]، بات الليل كله وهو يتكلم فهو مجنون بنظرهم إلى أعماله المخالفة لأعمالهم وهم يظنون أنهم عقلاء حيث تكالبوا على الدنيا وصاروا يكسبون ويدخرون ويتفاخرون ويتكاثرون وهو لا يبالي بشيء من ذلك، قالوا إنه مجنون، قال اللّٰه تبارك وتعالى «آوَلَمْ يَتَبَكِّرُوا» هلا تفكروا؟ إذا استعملوا عقولهم ونظروا في حال محمد صلى اللّٰه عليه وسلم تبين لهم «مَا بِصَحِبِهِم صِ جِنَّةٍ»، علموا أن هذا ليس تصرفات المجنون (إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ)7:184)) بيّن الإنذار. كل عبد لله صالح بين السفهاء لابد أن يرموه بالجنون أولا[1]
.10 [2]
لكونه يخالفهم في الأعمال والأقوال، وثانيا أن النبي صلى اللّٰه عليه وسلم عندما يكابد الوحي كان يظهر منه أحوال من نظر إليه في تلك الحالة يَسِمه بالجنون. ( أوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَالأَرْضِ) الملكوت ما خفي من ملك اللّٰه تبارك وتعالى، الملك والملكوت تارة يعبر بهذا وتارة يقول الخلق والأمر، الغيب والشهادة، الحس والمعنى، ({وَمَا خَلَقَ اْللَّهُ مِن شَءٍ وينظروا فيما خلقه اللّٰه من شيء بيان ل "مَا"، فيستدلوا به على قدرة صانعه ووحدانيته. الخلق خلقان: الخلق والأمر، الخلق ما خلقه اللّٰه من شيء، كل ما في هذا الكون إنما خرج من شيء، والأمر ما خلقه اللّٰه من لا شيء. عالم الأرواح لا شيء منه خرج من شيء، إذا تفكروا في ملكوت السماوات والأرض علموا أن من قدر على صنع هذا واحد وهو المستحق للعبادة (وَأَنْ)) وأنه عَسِىّ أَنْ يَكُونَ فَدِ إفْتَرَبَ) قرب ( أَجَلُهُمْ فيموتوا كفارا، فليتفكروا في شيء آخر وهو أن المرء سيموت من كان يكره أن يصير إلى النار فليحذر من الموت كافرا، إذاً فليتب من الكفر قبل أن يأتيه الموت فيصير إلى النار، فبادروا إلى الإيمان ( بِأَيّ حَدِيثٍ بَعْدَهُو بعد القرآن يُومِنُونَ) من لم يصدق بهذا القرآن أي حديث يصدق؟ ( مَنْ يُضْلِلِ اِللَّهُ وَلاَ هَادِيَ لَهُ و الحق أن اللّٰه تبارك وتعالى هو الهادي وهو المضل من أضله اللّٰه فلا هادي له (وَنَذَرُهُمْ) نتركهم ووفِى طُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ) يترددون تحيرا في طغيانهم ( يَسْئَلُونَكَ) أهل مكة عَرِ السَّاعَةِ القيامة ( أَيَّاتَ مُرْسِيْهَا) متى تكون الساعة (فلِ) لهم (إِنَّمَا عِلْمُهَا) متى تكون وعِندَ رَبِّي لَاَ يُجَلِّيهَا)
يظهرها (لِوَفْتِهَا إِلَّ هُوَ) وقت مجيئ الساعة لا يعلمه إلا اللّٰه تَفُلَتْ) عظمت قي اِلسَّمَٰوَتِ وَالأَرْضِ) على أهلهما لهولها لاَ تَاتِيكُمُ إِلَّا بَغْتَةَ) فجأة ( يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَبِىٌّ) مبالغ في السؤال أو مبالغ في العلم (عَنْهَا)) حتى علمتها (فَلِ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) أن علمها عند اللّٰه تبارك وتعالى. القيامة ثلاث: موت
الإنسان هو القيامة الصغرى، من مات فقد قامت قيامته، والوسطى موت جميع الخلائق، والكبرى حشر الأجساد إلى المحشر، وموت جميع الخلائق فناء هذا العالم هو الذي لا يعلم وقته إلا اللّه تبارك وتعالى. إن قيل إن الدنيا سبعة آلاف سنة وقد مرت ثلاثة آلاف سنة هل يعرف بهذا وقت قيام الساعة؟ لا، لأن اللّٰه تبارك وتعالى نفى علم قيام الساعة عن كل نبي وملك حتى الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم أمره بأن يقول «فَلِ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبّي لَاَ يُجَلِّيهَا لِوَفْتِهَا إِلَّ هُوَ». نعم قال الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم: (بعثت أنا والساعة كهتين وأشار بالسبابة والوسطى)[1]، لأنه آخر الأنبياء لا نبي بعده، علمنا أن بعثته من أشراط الساعة فلهذا قال: "فَفَدْ جَآءَ اشْرَاطُهَا"، جاء أشراط الساعة. أشراط الساعة قسمان قسم أصغر وقسم أكبر، القسم الأصغر منه بعثة النبي صلى اللّٰه عليه وسلم لأنه آخر الأنبياء، وانشقاق القمر، كان يذكر في الكتب السابقة أن لا تقوم الساعة إلا بعد انشقاق القمر وقد وقع، وأخبر الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم بأنه ستأتي عشر علامات 2: الدخان وهو[1] [2]
موجود في وقتنا الآن، ودابة الأرض، وخسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، والدجال، وخروج يأجوج ومأجوج، ونزول عيسى عليه الصلاة والسلام، وطلوع الشمس من مغربها، فهذه علامات بعضها ظهر وبعضها لم يظهر بعد، علمنا بهذا أن الأمر مخفي، اللّٰه تبارك وتعالى أخفاها ليكون العبد كامل الاستعداد في كل وقت وزمان (فُل لَأَ أَمْلِكُ لِتَمْسِى نَمْعَا)
أجلبه (وَلا ضَرَا) أدفعه إلاّ مَا شَاءَ اللَّةُ وَلَوْ كُنتْ أَعْلَمُ الْغَيْبَ) ما غاب عني ( لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ ألسُّوء من فقر وغيره لاحترازي عنه باجتناب المضار.
هذا لا ينافي أنه يعلمه ( إِنَ آنَا إِلاَّ نَذِير)26:115 بالنار للكافرين وَبَشِير) بالجنة (لِفَوْمٍ يُومِنُونَ هُوَ أَلذِى خَلَفَكْم مِ نَفْسِ وَاحِدَةٍ أي آدم، اللّٰه تبارك وتعالى خلقنا كلنا من نفس واحدة وتلك النفس هي نفس آدم وخلق الأرواح كلا من روح واحد وذلك الروح روح محمد صلى اللّه عليه وسلم. فآدم أبو البشر ومحمد أبو الأرواح (وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا)7:189-7:190 حواء {(لِيَسْكْرَ إِلَيْهَا ليألفها ( بَلَمَّا تَغَشِّيْهَا) جامعها حَمَلَتْ حَمْلًا خَصِيما ) هو النطفة (( قَمَرَّتْ بِهِ،)
ذهبت وجاءت لخفته ( جَلَمَّا أَثْفَلَت) بكبر الولد في بطنها وأشفقا أن يكون هيمة ودَّعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَبِنَ اتَيْتَنَا ولدا صلحا سويا (لَنَكُونَىَّ مِنَ الشَّكِرِينَ) لك عليه (( جَلَمَّآ عاتِيهُمَا ولدا (صَلِحاً جَعَلاً لَهُ و شِرْكاً) «جَعَلاَ» جعل أولادهما «لَهُ» لله شركا (جِيمَا عَاتِيهُمَا) أسنِدَ إلى آدم وحواء والمراد ذريتهما. لما نزل آدم إلى الأرض بزوجته حواء حملت حواء في أقل الروايات عشرين بطناكل بطن فيه غلام وجارية[2] وورد أنها حملت خمسمائة بطن كل حمل فيه جارية وغلام، ولدت لآدم ألف ولد في خمسمائة بطن [3]، ما مات آدم
انتُمْ صَامِتُونَ) عن دعائهم لا يتبعوه لعدم سماعهم (إِنَّ الذِينَ تَدْعُونَ)7:193-7:194 تعبدون ومٍ دُوبِ اللَّهِ عِبَادٌ) مملوكة ( آمْثَالُكُمْ جَادْعُوهُمْ وَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُم دعاء كم (إِن كُنتُمْ صَدِفِينَ) في أنها آلهة لو كانوا آلهة لاستجابوا الدعاء، ولكنهم عاجزون ( أَلَهُمُو أَرْجُلٌ يَمْشُوتَ بِهَا هل الآلهة يقدرون على المشي؟ لا، (أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا لا، (أَمْ لَهُم أَعْيِنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا لا، ( أَمْ لَهُمُ ءَاذَالٌ يَسْمَعُونَ بِهَا)) استفهام إنكار، ليس لهم شيء من ذلك مما هو لكم فكيف تعبدونهم وأنتم أتم حالا منهم؟ فالعابدون أكمل من المعبود لأن العابدين لهم هذه الأشياء والأصنام ليس عندهم شيء من ذلك، كيف تعبدون إلها أنتم أكمل منه؟ ( فُلُ ادْعُواْ شُرَكَاءَكُمْ إلى هلاكي (ثُمَّ كِيدُونِ بَلا تُنظِرُونِ) تمهلوني فإنى لا أبالي بكم {إِلَّ وَلِّيَ اللَّهُ) متولي أموري هو اللّٰه ألذِى نَزَّلَ الْكِتَبَ) القرآن ( وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّلِحِينَ)7:196 بحفظه (» وَالذِيرَ تَدْعُوبَ مِ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْمُسَهُمْ يَنصُرُونَ )
فكيف أبالي بهم (وَإن تَدْعُوهُمُ و الأصنام {إِلَى الْهُدِى لا يَسْمَعُوا وَتَرِيُهُمْ)، الأصنام ( يَنظُرُونَ إِلَيْكَ) يقابلونك (وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ)7:198-7:199 تجد الأصنام كأنهم ينظرون وليس عندهم بصر لا يرون شيئا. ما أشد حماقة الكفار، محمد إنسان كامل، كامل الأخلاق، كامل الأفعال متصف بجميع صفات الكمال لا يستحق أن يكون نبيا، وحجر فقط يمكن أن يكون إلها؟ خذ الْعَفْوَ اليسر من أخلاق الناس ولا تبحث عنها وَامُرْ بالْعُرْفِ
المعروف (وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَهِلِينَ)7:199 أمره اللّٰه تبارك وتعالى أن يكون كثير العفو عن الناس ويأمرهم بالمعروف ويعرض عن الجاهلين فلا يقابلهم بسفههم. سألوا عائشة عن خلق رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه وسلم قالت: أما تقرأون القرآن؟ كان خلقه القرآن.
1. إن اللّه أدبه
بآداب القرآن «خُذِ الْعَمْوَ وَامُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ اِلْجَاهِلِينَ». غضب عمر رضي اللّٰه عنه فقال له رجل: «خُذِ الْعَمْوَ وَامُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ اِلْجَاهِلِينٌ» وكان عمر وقافا عند كتاب الله فسكن غضبه1. هذه هي مكارم الأخلاق التي تخلق بها رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه وسلم فسره بتعفو عمن ظلمك وتصل من قطعك وتعطي من حرمك 2 (وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَرِ نَزْغٌ) يصرفك عما أمرت به (اسْتَعِذْ بِاللّهِ يدفعه عنك ( إِنَّهُو سَمِيعُ) للقول ( عَلِيمُ) بالفعل. أمر رسوله صلى اللّٰه عليه وسلم أن يستعيذ بالله من الشيطان. رأى رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه وسلم رجلا غضبان فقال إني أعلم كلمة لو قالها لسكن غضبه:
الرجيم
3\. قال سليمان الداراني: ما رأيت أهون عندي من الشيطان ولا أضعف والله لولا أن اللّٰه أمر بالاستعاذة منه ما استعذت. وقال آخر: إنا قوم لا نعرف الشيطان 4. خرج
(إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد لو قال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)، فقالوا للرجل:
ألا تسمع ما يقول النبي صلى اللّٰه عليه وسلم؟ قال: إني لست بمجنون. صحيح البخاري: كتاب الأدب/ باب الحذر من الغضب (6115)، وفي صحيح مسلم: كتاب البر والصلة والأدب/ فضل من يملك نفسه عند الغضب وبأي شيء يذهب (4725).
الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم ذات يوم فلقيه الشيطان وبيده شعلة نار يريد أن يجعلها في وجه النبي صلى اللّٰه عليه وسلم فقال النبي صلى اللّٰه عليه وسلم: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم فسقطت، فكتفه النبي صلى اللّٰه عليه وسلم وجعل الوثاق في يديه وربطه على إحدى سواري المسجد حتى ينظره صبيان المدينة ويلعبوا به، فتذكر دعاء سليمان "وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَ يَنْبَغِى لَاحَدٍ مِنْ بَعْدِىَ" فحله صلى اللّٰه عليه وسلم وأطلق سراحه1. الشيطان أراد أن يتسلط على النبي صلى اللّٰه عليه وسلم، وأراد اللّٰه أن يظهر ذلك ويكفيه حتى يعلم الشيطان أنه لا يقدر له على شيء. والله تبارك وتعالى بحكمته ربما منع بالشيء ولا يمنع عنه، النهار به مُنع الليل والليل به منع النهار ولكن كلهما لا يمنع الآخر. وعيسى كان يحيي الموتى وما منعه ذلك من أن يموت هو. إحياؤه للأموات منع به، ولكن ما منعه من أن يموت هو.
فكذلك الناس سلموا من الشيطان بالنبي صلى اللّٰه عليه وسلم والشيطان هاهو يريد أن يتعرض للنبي صلى اللّٰه عليه وسلم، «إِنَّهُو سَمِيعٌ عَلِيمٌ» (إِنَّ ألذِينَ إِتَّفَواْ إِذَا مَسَّهُمْ) أصابهم (ظَيِفٌ) شيء ألم بهم (مِسَ ألشَّيْطَ تَذَكَّرُوا) عقاب اللّٰه (بَإِذَاهُم مُبْصِرُون) الحق من غيره فيرجعون. اللّٰه تبارك وتعالى له عباد اتقوا اللّٰه تبارك وتعالى، إذا عرض لهم عارض من جهة الشيطان تذكروا عقاب اللّٰه فأبصروا الحق واتبعوه، أو تذكروا حضرة اللّٰه تبارك وتعالى
باب الأسير أو الغريم يربط في المسجد (461) وفي صحيح مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة/ باب جواز لعن الشيطان في أثناء الصلاة (843).
فإذا هم مبصرون، فإذا بصروا الحق غاب عنهم الشيطان (وَإِخْوَانُهُمْ) إخوان الشياطين من الكفار (يُمِدُّونَهُمْ) أي الشياطين الْغَيِّ ثُمَّ هم (لا يُفْصِرُونَ) يكفون عنه بالتبصر كما تبصر المتقون {وَإِذَا لَمْ تَاتِهِم) أهل مكة (بايَةِ) مما اقترحوا ( فَالُواْ لَوْلاَ إَجْتَبَيْتَهَا أنشأتها من قبل نفسك فلِ) لهم (إِنَّمَآ أَتَّبِعُ مَا يُوجِىّ إِلَىَّ مِن رَبِّ وليس لي أن آتي من عند نفسي بشيء هذا القرآن (بَصَآيرُ) حجج (م رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِفَوْمِ يُومِنُونَ) لأنهم المنتفعون به ({وَإِذَا فُرِئَ الْفُرْءَانُ بَاسْتَمِعُواْ لَهْ وَأَنصِتُوا) عن الكلام (لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ نزلت في ترك الكلام في الخطبة أو في الصلاة، في بداية الإسلام كان المصلي يتكلم حتى نزلت هذه الآية فقال الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم (إن في الصلاة شغلا) 1 عن الكلام فنهى عن الكلام في الصلاة أو في الخطبة أو عند تلاوة القرآن «وَإِذَا فُرِغَ الْفُرْءَانُ وَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونُ» استمعوا له بآذانكم الظاهرة وأنصتوا عن الكلام بألسنتكم الظاهرة لعلكم ترحمون بسماع القرآن سماع تدبر. فاستمعوا له بآذانكم الباطنة وأنصتوا عن الكلام بألسنتكم الباطنة لعلكم ترحمون بالوصول إلى حضرة اللّٰه تبارك وتعالى. المستمع إن استمع ظاهرا وأنصت ظاهرا سمع الكلام ظاهرا، وإن استمع باطنا وأنصت باطنا سمع الخطاب الحقيقي باطنا، فيسمع الخطاب من المتكلم يسمع القرآن من الجمعية العظمى من حضرة اللّٰه تبارك وتعالى، من المنزِّل، أو لا أقل من أن يسمعه من
الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم. القرآن وصفته آية أنه كتاب مبارك 1 من قرأه وجد ثوابا ومن استمع للقراءة وجد ثوابا كذلك، ويشفي الأمراض الظاهرة كما يشفي الأمراض الباطنة ( وَاذْكْر رَبَّكَ فِي نَمْسِكً) سرا تَضَرُّعا تذللا (وَخِيبَةَ) خوفا منه وَ) فوق السر
( دُولَ ألْجَهْرِ مِنَ الْفَوْلِ) متوسطا بينهما (بِالْغُدُوِّ وَالآَصَالِ) أوائل النهار وأواخره (وَلَا تَكّر مِنَ الْعَمِلِينُ)، عن ذكر الله. خرج الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم يدور في نواحي المدينة ليلا فمر بدار عمر فإذا هو يصلي بالليل ويقرأ بأعلى صوته، ومر بدار أبي بكر ووجده يصلي يسر القراءة حتى لا يسمع نفسه، فلما أصبحا دخلا على رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه وسلم فقال لعمر: ما لك ترفع صوتك جهرا بالقراءة في الليل؟ قال: أطرد النعاس وأوقظ الجيران وأطرد الشيطان. وقال لأبي بكر: وأنت لِم تسر؟ قال: أسمعتُ من ناجيتُ. قال الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم لعمر: أخفض من صوتك شيئا، وقال لأبي بكر: ارفع من صوتك شيئا2. هذا هو "وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلا تُخَامِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا" السبيل بين الجهر والسر ليس إلا الجهر فقط ولكن متوسط، يقول الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم:
(يقول اللّٰه تبارك وتعالى: أنا جليس من ذكرني وأنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملا ذكرته في ملإ خير منهم) 3 على كل
(409) ولأبي داود من كتاب الصلاة/ باب في رفع الصوت بالقراءة في صلاة الليل (1133).
حال طريق الولاية ذكر اللّٰه تبارك وتعالى ولابد من البداية بالذكر باللسان وهو أبسط الذكر، إذا استمر العبد على الذكر باللسان لعله يصل إلى الذكر مع الحضور، وإذا استمر يصل إلى ذكر القلب، ويصل إلى ذكر مع غيبة عن كل ما سوى اللّٰه تبارك وتعالى فيصير الذكر هو الذاكر وهو المذكور وما ذلك على اللّٰه بعزيز، على كل حال ذكر اللّٰه نافع، فأي اسم
من
أسمائه داومت الذكر عليه تجد له أثرا في نفسك، كل اسم يؤثر في نفس العبد ما لا يؤثر الآخر فلذا أمر اللّه تبارك وتعالى بكثرة ذكر اللّه في القرآن «وَاذْكُر رَبَّكَ فِي نَجْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيعَةً وَدُونَ ألْجَهْرِ مِنَ الْفَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآَصَالِ وَلاَ تَكْر مِنَ الْغَمِلِينَ» عن ذكر الله.
فإن الأشياء ثلاثة: شيء ناقص لا يكمل أبدا، وشيء كامل لا ينتقص أبدا، وشيء تارة كامل وتارة ناقص. شيء تارة كامل وتارة ناقص ليس كماله من ذاته. فالكامل الذي ليس فيه نقص الملائكة "لاَّ يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَمْعَلُونَ مَا يُومَرُونَ" والناقص الذي لا يكمل أبدا البهائم والحيوانات والجمادات. والإنسان بينهما تارة كامل وتارة ناقص، ليس كماله من ذاته إنما هو من مذكوره، إذا ذكر اللّٰه كان كاملا وإن غفل عن ذكر اللّٰه كان ناقصا.
والإنسان كلُّ شيء فيه شرفه يردد ذكره دائما، تجده إذا انتسب إلى قبيلته أو إلى بلده أو إلى وطنه يفتخر بذلك، فالأولى أن يكثر من ذكر اللّٰه تبارك وتعالى فهو الشرف الحقيقي، وما سواه ليس بشيء (إِنَّ ألذِينَ عِندَ رَبِّكَ)7:206 الملائكة (لا يَسْتَكْبِرُونَ) يتكبرون وعَنْ عِبَادَتِهِ) الملائكة لا يستكبرون عن عبادة اللّٰه { وَيُسَبِّحُونَهُ و ينزهونه عما لا يليق به ( وَلَهُو يَسْجُدُونَ) يخصونه بالخضوع والعبادة فكونوا مثلهم. العبد إذا كان غافلا عن الله
تقربت إليه باعا وإن أتاني يمشي أتيته هرولة). صحيح البخاري: كتاب التوحيد/ باب قول اللّٰه تعالى
"وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَمْسَهُ " (7405)، وفي صحيح مسلم: كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار/ باب الحث على ذكر اللّه (4832) وقد تقدم في الدرسين 5و18.
تبارك وتعالى يكون متكبرا لأنه يرى ما سوى اللّٰه تبارك وتعالى، والإنسان جبل على أنه يتكبر في نفسه طبعا، وتكبر الإنسان غاية العجَب، بالأمس نطفة غدا يكون جيفة وهو فيما بينهما يحمل العذرة دائما في بطنه ويتكبر مع ذلك. وإذا عقل رجع إلى اللّٰه تبارك وتعالى ويداوم ذكر اللّٰه ويجاهد الجهاد الأكبر حتى يصير عند الله، إذا كان عند اللّٰه لا يستكبر لأنه لا يرى لنفسه وجودا ولا سيما قيمة، أولئك الذين وصفهم اللّٰه «إِنَّ ألذِيرَ عِندَ رَبِّكَ» رجعوا إلى اللّٰه تبارك وتعالى بالفناء فيه والبقاء فيه «لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ»7:206 يفتخرون بالعبودية لله ويسبحونه ويسجدون له السجود الدائم، هم دائما في سجدة لا يرفعون رؤوسهم إلى أبد الأبد. "ألذِيرَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ دَائِمُونُ".
سورة الأنفال
مدنية أو إلا "وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ..." الآيات السبع فمكية، خمس أو ست أو سبع وسبعون آية.
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الانبَالِ اختلف المسلمون في غنائم بدر فقال الشبان هي لنا لأنا باشرنا القتال، وقال الشيوخ كنا ردءا لكم تحت الرايات ولو انكشفتم لفئتم إلينا فلا تستأثروا بها عنا، تنازعوا في غنائم بدر وسألوا الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم، والرسول نهاهم عن كثرة السؤال، خطب رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه وسلم فقال: أنهاكم عن
الشرك بالله وعن عقوق الأمهات وعن منع وهات وكثرة القيل والقال، وعن كثرة السؤال 1 أي سؤال ما لا يعني أو سؤال الناس أموالهم، أما سؤال التعلم فعبادة، وقال: (ذروني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم وكثرة اختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فاتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه)2 لما سأل المسلمون في غنائم بدر جاء الجواب على عكس مرادهم. (يَسْئَلُونَكَ عَيِ اَلانجَالِ) الغنائم لمن هي ( فُلِ الأَنْجَالُ لِلهِ وَالرَّسُولِ) ليست لكم ليست للشبان ولا للشيوخ، لله وللرسول يجعلانها حيث شاءا، فقسمها رسول اللّٰه صلى اللّه عليه وسلم على السواء، يفسر تقسيم الغنائم في هذه السورة إن شاء اللّٰه "وَاعْلَمُوَاْ أَنَّمَا غَنِمْتُم صِ شَيْءٍ بَأَنَّ لِلهِ خُمْسَهُ " ( جَاتَّفُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ) حقيقة ما بينكم بالمودة وترك النزاع ( وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُو إِن كُنتُم مُومِنِينَ)
حقا (إِنَّمَا الْمُومِنُونَ) الكاملون الإيمان { ألذِيسَ إِذَا ذُكِرَ اللّه وعيده وَجِلَتْ ) خافت
صحيح البخاري واللفظ له: كتاب الأدب/ عقوق الوالدين من الكبائر (5975) وفي صحيح مسلم:
كتاب الأقضية/ باب النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة (3237).
( خُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَلتُهُ و زَادَثْهُمْ إِيمَانا ) تصديقا ( وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)16:42 هؤلاء هم المؤمنون، وصفهم (ألذِينَ يُفِيمُونَ الصَّلَوةَ) يأتون بها بحقوقها ووَمِمَّا رَزَفْنَهُمْ)
أعطيناهم ( يُنعِفُونَ) في طاعة اللّٰه تبارك وتعالى أَوْلَيِكَ) الموصوفون بما ذكر هُمُ الْمُومِنُونَ حَفّام صدقا بلا شك (لَهُمْ دَرَجَتُ) منازل في الجنة (وعِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْمِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيْمٌ) إن اللّٰه تبارك وتعالى أوجب علينا إقامة الصلاة والصيام والصدقات، فأفضل حركات العبد الصلاة، وأفضل سكنات العبد الصيام، وأفضل عبادة الأموال الصدقات 1.
ورد أن رجالا تسابقوا إلى باب الجنة أربعة كلهم يقول إنه يدخل الجنة قبل الآخرين ليس عليهم حساب ولا عقاب، بعث اللّٰه جبريل أن يحكم بينهم بالعدل فأتى جبريل، وهم مجاهد وسخي وعالم وزاهد. سأل جبريل المجاهد: لم تقول إنك تدخل الجنة أولا؟ قال لأني قاتلت بالسيف في سبيل اللّٰه حتى قُتلت، قال له: من أين عرفت أن من استشهد في سبيل اللّٰه يدخل الجنة؟ قال: من العالم. وقال للزاهد: لم قلت إنك تدخل الجنة أولا؟ قال: لأني زهدت في الدنيا ما ملكت شيئا، قال: من أين عرفت أن هذا يوجب الجنة؟ قال: من العالم. وقال للسخي: لم تقول إنك تدخل الجنة أولاً؟ قال: لأني أنفقت مالي يمينا وشمالا رغبة في الجنة. قال: من أين علمت أن هذا يوجب الجنة؟ قال من العالم. قال: إذاً تأدبوا، العالم الذي تعلمتم منه لا تنازعوه. قالوا: قبلنا يدخل العالم أولا، قال العالم: يارب إنما وجدت العلم والقدرة على التعليم بسخاوة هذا السخي فأدخلوه أولاً، فقال اللّٰه تبارك
305/ج3
وتعالى: ادخلوا جميعا تسابقوا1 ( لَهُمْ دَرَجَتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْمِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) وصف المؤمنين في هذه الآية بأوصاف جليلة: «ألذِيسَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ فُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَاتُهُو زَادَتْهُمْ إِيمَٰناً وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» التوكل الثقة بالله تبارك وتعالى ولا ينافي الدخول في الأسباب «ألذِيرَ يُفِيمُونَ الصَّلَوْةَ وَمِمَّا رَزَفْنَٰهُمْ يُنعِفُونَ أُوْلَيِكَ هُمْ الْمُومِنُونَ حَقَّاٌ لَهُمْ دَرَجَٰتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْمِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ» لابد من دوام ذكر اللّٰه تبارك وتعالى والزهد في هذه الدنيا والانقطاع إلى اللّٰه تبارك وتعالى {كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِلَّ مَرِيفاً مِنَ الْمُومِنِينَ لَكَرِهُونَ) هذه الآية نزلت في غزوة بدر الكبرى قد كان خيرا لهم فكذلك أيضا، وذلك أن أبا سفيان قدم بِعير من الشام، فخرج النبي صلى اللّٰه عليه وسلم وأصحابه ليغنموها فعلمت قريش، فخرج أبو جهل ومقاتلو مكة ليذبوا عنها وهم النفير، وأخذ أبو سفيان بالعير طريق الساحل فنجت، فقيل لأبي جهل ارجع فأبى وسار إلى بدر. فشاور صلى اللّٰه عليه وسلم أصحابه وقال إن اللّٰه وعدني إحدى الطائفتين فوافقوه على قتال النفير وكره بعضهم ذلك وقالوا لم نستعد له، كما قال تعالى. هذه غزوة بدر في العام الثاني من الهجرة خرجت عير قريش من الشام وخرج النفير من مكة فوعد اللّٰه النبي صلى اللّٰه عليه وسلم إحدى الطائفتين فجمع المهاجرين والأنصار وقال: هذه قريش خرجت بخيلها ورجلها وعَددها وعُددها وسلاحها وهذا العير ليس معهم سلاح، إلى أيهما نخرج؟ وكان يحب صلى اللّٰه عليه وسلم الخروج إلى النفير، فقال جماعة نخرج إلى العير وإياك والنفير، فغضب صلى اللّٰه عليه وسلم وقال: أشيروا عليَّ بالرأي أشيروا علي بالرأي. قال أبو بكر وعمر يا رسول اللّٰه مرنا بما شئت، مرنا بما شئت. فصار الرسول يردد هذه الكلمة: أشيروا علي
بالرأي، أشيروا علي بالرأي. فقال المقداد بن الأسود: مرنا بما شئت فلو أمرتنا أن نخوض البحر لخضناه معك فلم يزل المصطفى صلى اللّٰه عليه وسلم يردد: أشيروا علي بالرأي حتى قال له سعد بن عبادة 1 كأنك تريد الجواب منا يا رسول اللّٰه نحن الأنصار؟ قال له: نعم، قال: اخرج بنا إلى برك الغماد في أرض الحبشة، خض بنا البحر إن شئت فوالله لا نقول ما قال بنو إسرائيل "اذْهَبَ آنتَ وَرَبُّكَ بَفَتِلا إِنَّا هَٰهُنَا فَعِدُونٌ" ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون. ففرح رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه وسلم وقال: كأني أنظر إلى مصارع القوم، اخرجوا على بركة اللّه2. فخرجوا إلى بدر فجاء أبو جهل بجيش زهاء ألف مدججين في السلاح وعندهم كل عدة وعدد، فجاء الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم فعين مصارع القوم: أبو جهل يصرع هنا، شيبة هنا الوليد هنا، أراهم ذلك قبل أن يعين لهم المراكز، ولم يزل يدعو اللّٰه تبارك وتعالى: اللهم أعطني ما وعدتني من النصر، اللهم إن شئت أن لا تعبد بعد اليوم فلتهزم هذه العصابة3. يستغيث بالله تبارك وتعالى ويناشده حتى سقط رداؤه
فأخذه أبو بكر فوضعه على رأسه وقال للنبي صلى اللّٰه عليه وسلم: حسبك من مناشدتك لربك إن اللّه ينصرك، فقال: صدقت، هذا جبريل آخذ بزمام فرسه معه ألفان من الملائكة، هذا ميكائيل معه ألف، هذا إسرافيل معه ألف، هذا ملك الموت ومعه ألف، خمسة آلاف جاءوا للقتال فوقعت وقعة بدر فقتل اللّٰه الكفار، قتلوا سبعين رئيسا من رؤسائهم وأسروا سبعين، منهم العباس بن عبد المطلب، فلما كرهوا ما نزل في حكم الغنائم ضرب اللّٰه لهم مثلا: كراهيتكم لهذا الأمر في الأنفال ككراهيتكم الخروج يوم خروجكم من المدينة إلى مقابلة النفير «كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَانَّ جَرِيفاً صِ الْمُومِنِينَ لَكَرِهُونَ» في ذلك الوقت كثير من المؤمنين لا يحبون ذلك، لأنهم يحبون العير ليجدوا غنيمة باردة ليس فيها قتل ولا جرح والرسول صلى اللّٰه عليه وسلم كان يحب هزيمة الكفار وانتصار الإسلام في كل أنحاء العالم، فكان صلى اللّٰه عليه وسلم لا ينظر إلى الغنائم ولا إلى العير بل أراد مواجهة قوة العدو ليكسر شوكة الأعداء ليبقى الإسلام منتصرا أبدا يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ في القتال (بَعْدَ مَا تَبَيَّلَ) ظهر لهم ( كَأَنَّمَا يُسَافُونَ إِلَى الْمَوْتِ لما خرج الرسول إلى بدر كثير من الجبناء كأنهم يقادون إلى الموت فقط وَهُمْ يَنظُرُونَ وَإِذْ يَعِدْكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّابِمَتَيْنِ) العير أو النفير (أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ)8:7-8:8 تريدون (أَلَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ) البأس والسلاح وهي العير ( تَكُولُ لَكْمْ ) كنتم تحبون مواجهة أبي سفيان لتغنموا ما في يده ولا قتال بخلاف النفير (وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ أُلْحَقَّ)8:7-8:8 ليظهره (بِكَلِمَتِهِ)) السابقة بظهور الإسلام وَيَفْطَعَ دَابِرَ الْكَفِرِيَ) يستأصلهم ولِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ) يمحق (الْبَاطِلَ)
مسلم: كتاب الجهاد والسير/ باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر وإباحة الغنائم (3309) وورد مثله في صحيح البخاري باختلاف في الألفاظ، صحيح البخاري: كتاب المغازي/ باب قوله تعالى "إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ بَاسْتَجَابَ لَكْمُ (3953)
الكفر ( وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ)8:8 اللّه كان مراده أن يحق الحق ويبطل الباطل، يحق الحق مع الأنبياء ويبطل الباطل مع الكفار، كذلك يحق الحق مع الأولياء أنصار الأنبياء، ويبطل الباطل مع الفجرة المنكرين للأولياء المعادين لهم «وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ»8:8 المشركون حسا أو معنى ( إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ)8:9 تطلبون منه الغوث بالنصر عليهم، المستغيث كان الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم، أسنده إلى الجماعة لأن الأمير إذا فعل شيئا فكأنما فعله الجماعة كلا (بَاسْتَجَابَ لَكْمُ أَنِّ بأني مُمِدُّكُم) معينكم (بِأَلْفِ مِسَ الْمَلِّبِكَةِ مُرْدَمِينَ) متتابعين يردف بعضهم بعضا وعدهم بها أولا ثم صارت ثلاثة آلاف ثم خمسة كما في آل عمران.
وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ الإمداد {إِلاَّ بُشْرِى) إنما أنزل اللّٰه الملائكة ليشرح قلوب المؤمنين فقط، ولكن ليس للنصر {وَلِتَطْمَبِيَّ بِهِ، فُلُوبُكُمْ ) ليجدوا اطمئنانا {وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ)
ولكن النصر حقيقة لا يأتي إلا من اللّه تبارك وتعالى {إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) واذكر (إذْ يُعْشِيكُمُ التُّعَاسَ أَمَنَةً) لما وقفوا في ميدان القتال ألقى اللّه الأمن في قلوب المسلمين حتى صاروا كلهم ينعس ويسقط في موقفه من شدة النعاس لما رأى الكفار هذا قالوا هؤلاء ليسوا من جنس البشر مِنْهُ) منه تعالى {وَيُنَزِّلْ عَلَيْكُم مِنَ السَّمَآءِ مَاءً لِيْطَقِرَكُم بِهِ،) وسوس لهم الشيطان فقال لهم أرأيتم الكفار في محل صلب وأنتم في محل فيه الرمال لا تقدرون على الكر ولا الفر، فنزل المطر حتى سال الوادي فصار محل الكفار وحلا لا يقدرون على المشي ومحل المسلمين صار صلبا (وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَرِ) وسوسته لكم بأنكم لو كنتم على الحق ما كنتم ظمأى محدثين والمشركون على الماء ( وَلِيَرْبِطَ )، يحبس ( عَلَىٰ فُلُوبِكُمْ)
باليقين والصبر (وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَفْدَامَ)) ويثبت اللّٰه تبارك وتعالى الأقدام، أقدامكم في الرمال وأقدامكم في الإيمان بالديانة والتمسك بأمر اللّٰه تبارك وتعالى، إن اللّٰه تبارك وتعالى يؤيد المسلمين بثبوت الأقدام فوفى لهم ما وعدهم.
حكى الزهري أنه رجع من الحج ونزل بعبد الملك بن مروان فقال له: يا زهري من أين أقبلت؟ قال له: من مكة. قال له: من يسود المسلمين فيها اليوم؟ قال له: عطاء بن رباح، قال له: عربي أم من الموالي؟ قال: بل هو من الموالي. قال: ومن يسود اليمن؟ قال له:
طاووس بن كيسان. قال: من العرب أو من الموالي؟ قال: من الموالى. قال: ومن يسود مصر؟ قال: يزيد بن عبيد. قال: من العرب أو من الموالى؟ قال: بل من الموالي. قال: ومن يسود الشام؟ قال له: مكحول الدمشقي؟ قال: من العرب أو من الموالي؟ قال: بل من الموالي كان عبدا أسود أعتقته امرأة فصار هو السيد. قال: كيف يسود هؤلاء؟ قال: بالرواية والديانة. قال: من كان كذلك حق له أن يسود، ومن يسود حرمنا؟ يعني بيت المقدس، قال له: حبيب بن مزاحم. قال: عربي أم مولى؟ قال: بل من الموالي. قال: ومن يسود البصرة؟ قال له: حسن بن أبي الحسن. عربي أو مولى؟ قال: مولى. قال: ومن يسود جزيرة العرب؟ قال: ميمون بن مهران. قال: عربي أم من الموالي؟ قال: بل من الموالي. قال: ويحك ومن يسود الكوفة؟ قال له: إبراهيم النخعي. قال: من الموالي أو من العرب؟ قال: من العرب. قال: كدت أن تقطع قلبي. كاد هذا الأمر أن يكون السود يخطبون على المنابر والعرب جلوس على الأرض. قال له: هذا الأمر ليس فيه عروبة ولا ولاء إنما هو بالديانة والتقى فقط، الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم نفى هذا لا عربي ولا عجمي إلا هذا الدين، من حفظ هذا الدين وتمسك به فقط فهو الذي ينبغي له أن يرأس، قال له: صدقت 1.
والمولى في لغة الأقدمين ليس من باب المعتوق كان إذا أسلم سوداني على يد رجل عربي ينسب إلى تلك القبيلة ويقال مولى بني فلان. (..)1
{ إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى الْمَلِّبِكَةِ) الذين أمد بهم المسلمين أَنِّ) بأني (مَعَكُمْ) بالعون والنصر ( ثَبِّتُوا الذِينَ ءَامَنُوا بالإعانة والتبشير وسَأُلْضِى فِي فُلُوبِ الذِينَ كَبَرْواْ الرُّعْبَ الخوف ( قَاضْرِبُوا جَوْقَ الاعْنَاوِ الرؤوس ( وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَاب أطراف اليدين هكذ علمهم اللّٰه تبارك وتعالى كيفية القتال. إما أن يضربوا رقاب الكفار، من قطع رأسه يموت أو يضربوا منهم كل بنان، من سقطت أصابعه إن لم يمت لم يقاتل بعد وذَلِكَ) العذاب الواقع بهم {بِأَنَّهُمْ شَافّوا) خالفوا اللَّهَ وَرَسُولَةٌ, وَمَنْ يُشَافِو ٱللَّهَ وَرَسُولَهُو بَإِنَّ اْللَّهَ شَدِيدٌ الْعِفَابِ ذَلِكُمْ العذاب (قَذُوفُوه) أيها الكفار (وَأَنَّ لِلْكَعِرِينَ) في الآخرة (عَذَابَ ألبَّارِ يَأَيُّهَا ألذِيرَ ءَامَنُوَا إِذَا لَفِيتُمْ أْلذِيرَ كَبَرُواْ زَحْما ) مجتمعين كأنهم لكثرتهم يزحفون بَلا تُوَلَّوهُمْ الاَدْبَرَ) منهزمين. الفرار من الزحف من الكبائر (وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبْرَهُ وَه يوم لقائهم إلاَّا مُتَحَرِّجا منعطفا (لِفِتَالٍ) بأن يريهم الفرة مكيدة وهو يريد الكرة (آوْ مُتَحَيِّزا) منضما إِلَى مِيَّةِ جماعة من المسلمين يستنجد بها (فَدْ بَآءَ رجع ( بِغَضَبِ مِسَ اللَّهِ وَمَأْوِيُهُ جَهَنَّمُ وَبِيسَ الْمَصِيرُ) المرجع. وهذا مخصوص بما إذا لم يزد الكفار على الضعف، من فر عن اثنين فقد فر ومن فر عن ثلاثة فلا يعد فارا2 {قَلَمْ تَفْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ فَتَلَهُمْ سبب نزول هذه الآية لما قتل الكفار في وقعة بدر صار المسلمون يفتخرون كلهم يقول: أنا قتلت فلانا أنا قتلت فلانا، شابان من الأنصار قتلا أبا جهل، واحد وقف
أمامه وطعنه برمحه في حلقه، والآخر طعنه برمحه في رقبته، فكلهم يقول إنه هو القاتل، قال تعالى «قَلَمْ تَفْتُلُوهُمْ» ببدر بقوتكم «وَلَكِرَّ اللَّةَ فَتَلَهُمْ» بنصره إياكم (وَمَا رَمَيْتَ يا محمد أعين القوم (إِذْ رَمَيْتَ) بالحصى لأن كفا من الحصى لا تملأ عيون الجيش الكثير برمية بشر (وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمى)8:17-8:18 بإيصال ذلك إليهم، فعل ذلك ليقهر الكافرين ( وَلِيبْلِيَ الْمُومِنِيَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَناً إِنَّ أللَّهَ سَمِيعٌ لأقوالهم (عَلِيمٌ) بأحوالهم. نفى القتل من المسلمين وما نفى الرمي من النبي صلى اللّٰه عليه وسلم تفهم الفرق بين المقامين، «بَلَمْ تَفْتُلُوهُمْ»، نفى القتل تماما ما فعلوا شيئا، «وَلَكِنَّ اللَّهَ فَتَلَهُمْ». ومحمد صلى اللّٰه عليه وسلم «وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ»8:17-8:18 أثبت له الرمية وبين له أن الرامي ليس هو ولكن هو اللّٰه «وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمىْ»8:17 أثبت رمية النبي صلى اللّٰه عليه وسلم ونفاها، وأما المسلمون فلم تقتلوهم قط، لم يقل فلم تقتلوهم إذ قتلتموهم بل فلم تقتلوهم. نحن ما فعلنا شيئا، والنبي فعل ولكن فعل بالله ذَلِكُمْ) الإبلاء حق (وَأَنَّ اللَّهَ مُوَهِىٌ) مضعف ((كَيْدَ الْكَفِرِينَ إِن تَسْتَفْتِحُوا)8:18-8:19 أيها الكفار تطلبوا الفتح أي القضاء، حيث قال أبو جهل اللهم أينا كان أقطع للرحم وأتانا بما لا نعرف فأحنه الغداة أي أهلكه1، كان هذا دعاء أبي جهل فاستجاب اللّٰه دعاءه ( جَفَدْ جَاءَكُمُ الْمَتْخُ القضاء الذي طلبتم هاهو وهو أبو جهل ومن قتل معه دون النبي صلى اللّٰه عليه وسلم والمؤمنين وَإن تَنتَهُوا) عن الكفر والحرب جَهْوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِن تَعُوِدُواْ) لقتال النبي صلى اللّٰه عليه وسلم نَعْدْ) لنصره عليكم (وَلَى تُغْنِيَ) تدفع (عَنكُمْ بِيَّتُكُمْ) جماعتكم (شَيْاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُومِنِينَ يَأَيُّهَا ألذِيسَ ءامَنُواْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْ) تعرضوا (عَنْهُ بمخالفة أمره ( وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ)
القرآن والمواعظ (وَلا تَكُونُوا كَالذِيلَ فَالُواْ سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ) سماع تدبر واتعاظ وهم
\- سيرة ابن هشام ج280/2.
المنافقون أو المشركون (إِنَّ شَرَّ الدَّوَآبِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمّ)8:22 عن سماع الحق أَلْبَكْمْ) عن النطق به ( الذِينَ لا يَعْفِلُونُ) ليس عندهم عقل (وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً) صلاحا بسماع الحق لَأَسْمَعَهُمْ سماع تفهم ( وَلَوَ اسْمَعَهُمْ) فرضا وقد علم أن لا خير فيهم (لَتَوَلَّوا )
عنه (وَهُم مُعْرِضُونُ) عن قبوله عنادا وجحودا. أخبر تبارك وتعالى أنه لو علم فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لانتفعوا، ولكن لما لم يعلم فيهم خيرا، أي لم يكن فيهم خير أصلا، منعهم من السماع، ولو سمعوا لفازوا حيث يقولون يوم القيامة "لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْفِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَبِ السَّعِيرِ" لو علم اللّٰه فيهم خيرا أبلغ من لو كان فيهم خير لأن شيئا لم يعلمه اللّٰه لا وجود له. أخبر تبارك وتعالى أنه ما علم فيهم خيرا، فلهذا ما أسمعهم القرآن ولما لم يكن فيهم خير لو سمعوا القرآن لأعرضوا عنه لا يقبلونه (يَأَيُّهَا ألذِيسَ ءَامَنُواْ إسْتَجِيبُواْ لِلهِ وَلِلرَّسُولِ) بالطاعة (إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْبِيكُمْ) من أمر الدين لأنه سبب الحياة الأبدية (وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْرَ أُلْمَرْءِ وَفَلْبِهِ،) فلا يستطيع أن يؤمن أو يكفر إلا بإرادته (وَنَّة إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) فيجازيكم بأعمالكم (وَاتَّفُواْ مِتْنَةَ) إن أصابتكم (لاَّ تُصِيبَنَّ ألذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً)8:25 بل تعمهم وغيرهم، واتقاؤها بإنكار موجبها من المنكر. هذا لا ينافي "وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرِى" سألوا الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال:
نعم إذا كثر الخبث 1، يهلكون ويبعثون على نياتهم. (وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِفَابِ ) لمن
خالفه (وَاذْكُرُوا إِذَ آنتُمْ فَلِيلٌ مُسْتَصْعَجُونَ فِي الاَرْضِ) في أرض مكة ( تَخَاجُونَ أَن يَتَخَطَمَكُمُ النَّاس) يأخذكم الكفار بسرعة (قَاوِبُكُمْ) إلى المدينة ((وَأَيَّدَكُم) قواكم
(بِنَصْرِه) يوم بدر بالملائكة (وَرَزَفَكُم مِنَ الطَّيِّبَاتِ) الغنائم (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونُ يَايُّهَا ألذِيرَ ءَامَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ هذه الآية نزلت في أبي لبابة مروان بن عبد المنذر بعثه الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم إلى بني قريظة لينزلوا على حكمه فاستشاروه فأشار لهم قالوا له: كيف حكم النبي صلى اللّٰه عليه وسلم؟ قال لهم هكذا. أشار لهم أن حكم النبي صلى اللّٰه عليه وسلم هو الذبح، لأن عياله وماله فيهم قال: ما أتممت الكلمة حتى شعرت أني خنت اللّٰه ورسوله، فجاء وربط نفسه بسوار المسجد وقال لا يحله إلا رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه وسلم فنزلت في حقه «يَأَيُّهَا ألذِيرَ ءَامَنُواْ لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ»(وَتَخُونُواْ أَمَنَٰتِكُمْ) ما ائتمنتم عليه من الدين (وَأَنتُمْ تَعْلَمُونُ وَاعْلَمُواْ أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْتَدُكُمْ مِتْنَةٌ فتنة لكم صادة عن أمور الآخرة (وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرّ عَظِيمٌ) فلا تفوّتوه بمراعاة الأموال والأولاد والحيانة لأجلهم. ونزل في توبته (يَأَيُّهَا ألذِيسَ ءَامَنُواْ إِن تَتَّفُواْ اللَّةَ بالإنابة ( يَجْعَل لَكُمْ جُرْفَاناً) بينكم وبين ما تخافون فتنجون ({وَيْكَبِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْمِرْ لَكُمْ )
ذنوبكم (وَاللَّهُ ذُو الْعَضْلِ الْعَظِيمٌ فلما نزلت جاءت فاطمة فحلته فقال: كنت أقسمت أن لا يحلني إلا النبي صلى اللّٰه عليه وسلم، قال الرسول: فاطمة بضعة مني 2. ( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ألذِينَ كَبَرُوا وقد اجتمعوا للمشاورة في شأنك بدار الندوة لِيُثْبِتُوكَ يوثقوك
ويحبسوك ( أَوْ يَفْتُلُوكَ) كلهم قتلة رجل واحد (أَوْ يُخْرِجُوكٌ من مكة (وَيَمْكُرُونَ)
بك ( وَيَمْكُرُ اللَّهُ) بهم بتدبير أمرك بأن أوحى إليك ما دبروه وأمرك بالخروج (وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَٰكِرِينَ)3:54 أعلمهم به ( وَإِذَا تُثْلِى عَلَيْهِمْ ايَتُنَا القرآن ( فَالُوا فَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَفُلْنَا مِثْلَ هَذَا)) قاله النضر بن الحارث 1 لأنه كان يأتي الحيرة يتجر فيشتري كتب أخبار الأعاجم ويحدث بها أهل مكة (إِنْ هَذَآ) القرآن (إِلَّ أَسَطِيرُ الأَوَّلِينُ وَإِذْ فَالُواْ أللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا)
الذي يقرؤه محمد صلى اللّٰه عليه وسلم (هُوَ الْحَقَّ) المنزل (مِنْ عِنْدِكَ بَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ إيتِنَا بِعَذَابِ الِيمْ) ما أشد حماقته «وَإِذْ فَالُواْ أللَّهُمَّ إِن كَانَ هَٰذَا هُوَ أُلْحَقَّ مِن عِنْدِكَ» كان من حقه أن يقول: إن كان هذا هو الحق من عندك فاجعلنا نؤمن به، ولكن «إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ بَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةَ مِنَ السَّمَآءِ أَوِ إيتِنَا بِعَذَابِ آليمٌ)
طلبوا هذا من اللّٰه ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ برمي الحجاة أنت الرسول فِيهِمْ ) ما دام النبي صلى اللّٰه عليه وسلم في الأمة فلا ينزل عذاب لأن النبي إذا أُهلِك قومُه انتهى أمره والنبي صلى الله عليه وسلم أمره لا ينتهي إلى آخر الدنيا (وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ بَسْتَغْفِرُونَ) ما داموا يستغفرون اللّٰه لا ينزل عليهم عذاب، قال الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم: أنزل اللّٰه أمانين لأمتي2. «وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ جِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونٌ» قال: إذا مضيت تركت فيهم الاستغفار. (وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمْ اللَّهُ)8:33-8:34
بالسيف حيث أن العذاب لا يأتي من السماء، لابد أن يعذبهم اللّه بالسيف يوم بدر وَهُمْ يَصُدُّونَ) يمنعون النبي صلى اللّٰه عليه وسلم عَرِ اِلْمَسْجِدِ اِلْحَرَامِ) أن يطوف به (وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَآءَهُ )8:33-8:34 كما زعموا {إِلَ آوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّفُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ) أن لا ولاية لهم على البيت (وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلَّ مُكَاء صفيرا (وَتَّصْدِيَةً )
تصفيقا، جعلوا ذلك موضع صلاتهم جَذُوفُواْ الْعَذَابَ) ببدر (بِمَا كُنتُمْ تَكْبُرُونٌ إِنَّ ألذِيرَ كَبَرُواْ يُنعِفُونَ أَمْوَالَهُمْ) في حرب النبي صلى اللّٰه عليه وسلم (لِيَصْدُّوا عَى سَبِيلِ اللَّهِ) أبو سفيان اكترى ألفين يوم أحد1 ( جَسَيْنعِفُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ) في عاقبة الأمر (عَلَيْهِمْ حَسْرَةَ) ندامة لفواتها وفوات ما قصدوه ثُمَّ يُغْلَبُونَ) في الدنيا ( وَالذِيسَ كَبَرْواْ) منهم (إِلَى جَهَنَّم في الآخرة يُحْشَرُونَ) يساقون {لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ) يفصل الكافر ومِنَ ألطَّيِّبِ المؤمن {وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُو عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُو جَمِيعاً يجمعه متراكما بعضه على بعض ( جَيَجْعَلَهُ و فِي جَهَنَّمٌ أوْلَبِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ فُل لِلذِيرَ كَبَرْوَاْ) كأبي سفيان وأصحابه (إِنْ يَنتَهُوا عن الكفر وقتال النبي صلى اللّٰه عليه وسلم يُغْبَرْ لَهُم مَا فَدْ سَلَفَ) من أعمالهم (وَإِنْ يَعُودُوا إلى قتاله قَفَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأَوَّلِينُ)، سنتنا فيهم بالإهلاك فكذا نفعل بهم ( وَفَتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لا تَكُولَ) توجد {ومِتْنَةٌ) شرك هذا غاية الجهاد (وَيَكُونَ ألدِّينُ كُلّهُو لِلهِ بَإِنِ إنتَهَوْاْ عن الكفر ( جَإِدَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ فيجازيهم به ( وَإِن تَوَلَّوْا) عن الإيمان ( جَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَوْلِيْكُمْ) ناصركم ومتولي أموركم ونِعْمَ الْمَوْلِى) هو ه وَنِعْمَ التَّصِير الناصر لكم. اللهم صل على سيدنا محمد.