(وَإِلَىٰ مَدْيَن أَخَاهُمْ شُعَيْباً) مدين بن إبراهيم بنَى بلدة فسميت به أو مدين قبيلة، إما أن يكون اسم المدينة أو اسم القبيلة سواء، أرسل اللّٰه إليهم شعيبا ابن ابن مدين{ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ
} وحدوه (مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ وَلَا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ ۚ إِنِّي أَرَاكُم بِخَيْرٍ)
دعا قومه إلى ما يدعو إليه الأنبياء والرسل جميعا وهو التوحيد وعبادة اللّٰه تبارك وتعالى وحده، فهذا أصل الدين. ونهاهم عما كانوا يتناولون من النقص في المكيال والميزان (وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ﴾
بكم يهلككم (وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ
) أتموها (بِالْقِسْطِ ۖ ) بالعدل (وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ)26:183 لا تنقصوهم من حقهم شيئا ( وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ
) بالقتل وغيره. كانوا إذا اكتالوا من الناس أتوا بمكيال كبير ليأخذوا كثيرا من عند الناس وإذا كالوا للناس أتوا بمكيال صغير ليبخسوهم، وكذلك في الميزان، وهذا جور وظلم، ونهاهم عن ذلك نبي اللّه شعيب أنهم إن فعلوا ذلك يخاف عليهم عذابا، العذاب من عذب إذا منع، ومنه الماء العذب لمنعه العطش، ومنه
العذاب لأنه يمنع الإثم!. وعظهم أنهم إن استمروا على نقص المكيال والميزان أن اللّٰه يحيطهم بعذاب من عنده (بَقيَّتُ اللَّهِ) رزقه الباقي لكم بعد إيفاء الكيل والوزن ( خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُم
مَومِنينَ) بقية اللّٰه إضافة تشريف، إذا تركوا نقص المكيال والميزان وتركوا التطفيف والرباوات التي كانوا يأخذونها مما ليس لهم، فالذي يبقى بأيديهم هو الحلال وهو الذي سماه الله بقية الله، إضافة تشريف ما بقي من رزق الله، إضافة تشريف كناقة اللّٰه وبيت الله، ما يبقى من رزق اللّٰه لكم خير لكم من هذا الذي تأخذونه من أموال الناس ظلما لأن الظلم مآله إلى الهلاك فقط، فإن الله تبارك وتعالى يقبل أن يستقيم الملك في الدنيا مع الكفر لأن الكفر عقابه النار فقط، ولا يقبل الظلم ولا الجور، هذا ينتقم من أهله في الدنيا قبل الآخرة، فلهذا تجد كافرا إذا عدل يستقيم له الملك لأن عنده من العقاب ما يكفيه وهو النار، وإذا جار هلك (وَمَآ أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ
) رقيب أجازيكم بأعمالكم ( فَالُواْ يَشُعَيْبٌ) استهزاء (أَصَلَوَتُكَ تَامُرُك) بتكليف ( {أَن نَتْرُكَ مَا يَعْبُدْ ءَابَاؤُنَا} من الأصنام ( أَوْ ان نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ ۖ
} هذا أمر باطل لا يدعو إليه داع بخير. كان كثير الصلوات فلما أرادوا الاستهزاء به قالوا له: لعل صلواتك هي التي تأمرك بمثل هذا أن نترك ما يعبد آباؤنا وأموالنا لنا نتصرف فيها كما نحب، أنت صلواتك تأمرك بهذا (إِنَّكَ لَانتَ الْحَلِيمُ)11:86-11:87 الأحمق ( الرَّشِيدُ) السفيه. قلبوا له الحقيقة أرادوا أن يصفوه بأنه غاو وسفيه فوصفوه أنه عاقل ورشيد، أو إنك لأنت الحليم العاقل الرشيد في زعمك {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا
) حلالا أفأشوبه بالحرام من البخس والتطفيف؟ ( وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمٌ
) وأذهب (إِلَى مَا أَنْهِيْكُمْ عَنْهُ} فارتكبه (إِنْ أُرِيدٌ إِلَّا الإصْلَحَ)11:88-11:89
لكم بالعدل (مَا إَسْتَطَعْتْ وَمَا تَوْفِقِيَ) قدرتي على ذلك وغيره من الطاعات {إِلَّا بِاللَّهِ
1 - في اللسان: عذَبَه عنه عذبًا: منعه وفطمه عن الأمر.
عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَالَيْهِ أُنِيبٌ) أرجع (وَيَقَوْم لا يَجْرِمَنَّكُمْ)11:89-11:90 لا يكسبنكم (شِقَاقِيَ)
خلافي ( أَنْ يُصِيبَكُم مِثْلُ مَآ أَصَابَ فَوْمَ نُوحِ آوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَاْلِيحٌ) لا يحملنكم حبكم لمخالفتي أن يقع فيكم الهلاك كما وقع في هؤلاء ({وَمَا فَوْمُ لُوطِ) منازلهم وزمن هلاكهم (منكُم بِبَعِيد) ببعيد منكم فاعتبروا (وَاسْتَغْفِرُوا
رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوَا إِلَيْهٌ إِنَّ رَبِّى رَحِيمٌ} بالمؤمنين (وَدُودٌُ ) محب لهم لولا وده لما استمر الرزق والبقاء على ما يرتكبون من المعاصي (قَالُوا يَشَعَيْبُ مَا نَجْفَهُ كَثِيراً مِمَّا تَفُولُ وَإِنَّا لَنَرىٰكَ فِينَا ضَعِيفًا) ذليلا، وصفوه بأن قلوبهم لا تفقه شيئا مما يقول لعدم مبالاتهم به وأنهم لا يعتبرونه عزيزا فيعتبرون كلامه (وَلَوْلاَ رَهْطُكَ) عشيرتك (لَرَجَمْنَٰكَ} بالحجارة (وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزُ)11:90-11:91 كريم. أبناء الدنيا العظمة عندهم بالمال والجاه، وأهل الدين المعتبر عندهم العلم والعمل به، فمن كان عالما عاملا بعلمه فهو الجليل عند العقلاء، وإن كان فقيرا، وإن كان ليس له جاه عند الناس، بعكس أبناء الدنيا كل من عنده رئاسة وجاه وأموال يعتبرونه جليلا وإن كان ليس عنده علم ولا عبادة، وإليه يشير حديث (إن اللّه لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)1 حيث أنهم عمي البصائر نظروا إلى نبي اللّٰه شعيب أنه ضعيف حقير ولكن رهطه الذين عندهم الأموال هم الأعزاء ولولا عزة رهطه عندهم لقتلوه بالحجارة{ قَالَ يَقَوْم أَرَهْطِيَ أَعَزُّ عَلَيْكُم مِنَ اللَّهِ) فتتركون قتلي لأجلهم ولا تحفظوني لله؟ (وَاتَّخَذْتُّمُوه )
الله (وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيَّا) منبوذا خلف ظهوركم لا تراقبونه (إِنَّ رَبِّى بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيْطٌ)11:92 إن ربي محيط علما بما تعملون فيجازيكم ((وَيقَوْمِ إعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمُ)11:92-11:93 أي حالتكم
(إِنِّي عَامِلٌ) على حالتي {سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَاتِيهِ عَذَابٌ يَخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَذِبٌ} أنا أم أنتم ( وَارْتَقِبُواْ ) انتظروا عاقبة أمركم {إِِّ نِّي مَعَكَمْ رَقِيبٌ) منتظر (وَلَمَّا جَآءَ امْرُنَا
بإهلاكهم ( تَجَّيْنَا شُعَيْباً وَالذِينَ ءامَنُواْ مَعَهْ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَدَتِ ألذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ)) صاح بهم جبريل (بَأَصْبَحُواْ مِن دِىٰرِهِمْ جَاثِمِينَ) باركين على الركب ميتين (كَأَن لَمْ يَغْنَو} يقيموا (فِيهَا)) هلكوا حتى صاروا هباء منثورا كأنهم لم يقيموا في ديارهم قط (أَلابُعْداً لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَموُدُ} هلكوا. (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ)
برهان بين ظاهر (إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ ۖ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ) سديد (يَقْدُمُ) يتقدم (قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَٰمَةِ) فيتبعونه كما اتبعوه في الدنيا {فَأَوْرَدَهُمْ)، أدخلهم
(النَّارُ وَبِيس الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ) الدنيا (لَعْنَةَ وَيَوْمَ القِٰمَةِ) لعنة {بِيسَ الرِّفْدِ) العون {الْمَرْفُود} رفدهم { ذَلِكَ مِنَ انْبَآءِ الْقُرى نَفُصُّهُ عَلَيْكَ} يا محمد (مِنْهَا }القرى (قَائِمّ) هلك أهله دونه {وَ} منها (حَصِيدٌ) هلك بأهله فلا أثر له كالزرع المحصود بالمناجل (وَمَا ظَلَمْنَهُمْ) بإهلاكهم بغير ذنب (وَلَكِن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ )11:100-11:101
بالشرك ( فَمَآ أَغْنَتْ }دفعت (عَنْهُمْ ءالِهَتُهُم الَّتِي يَدْعُونَ)11:100-11:101 يعبدون {مِِنْ دُونِ اِللَّهِ مِن
شَيْءٍ لَمَّا جَآءَ امْرُ رَبِّكَ} عذابه (وَمَا زَادُوهُمْ) بعبادتهم (غَيْرَ تَتْبِيتْ) تخسير (وَكَذَلِكَ) مثل ذلك الأخذ (أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَدَ الْقُرىٰ) أريد أهلها (وَهِيَ ظَالِمَةً)
بالذنوب فلا يغني عنهم من أخذه شيء (إِن أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} روى الشيخان عن أبي موسى الأشعري قال قال رسول اللّٰه صلى اللّه عليه وسلم: (إن اللّٰه ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ الرسول صلى اللّه عليه وسلم «وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ الْقُرىٰ
وَهِىَ ظَالِمَةُ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ») [1] هؤلاء اتبعوا فرعون فغرقوا في البحر ووردوا النار مع فرعون. ذكر القرآن سبعة أنفار اتبعوا سبعة أشياء وكلهم وجد نتيجة اتباعه: قابيل اتبع نفسه " (فَطَوّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ وَقَتَلَهْ, وَأَصْبَحَ مِنَ الْخَسِرِينَ" "فَأصْبَحَ مِنَ النَّدِمِينَ" طاعة النفس لا يجنى منها إلا الخسران والندامة، ووصف واحدا من علماء بني إسرائيل بلعام بن باعوراء "أَخْلَدَ إِلَى الاَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاه" فسلب ما منحه اللّٰه تبارك وتعالى فصار كافرا وصار "مَثْلَ كَمَثَلِ اِلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ آوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ" لا يميز بين الكرامة والإهانة. وذكر قوما اتبعوا الشهوات "وَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌُ آضَاعُواْ الصَّلَوةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً) وقوم اتبعوا رؤساء الضلالة " إِذْ تَبَرَّاَ أْلذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ ألذِينَ إتَّبَعُواْ وَرَأَوَا الْعَذَابَ" مآلهم إلى الحسرات يوم القيامة. وقوم فرعون «اتَّبَعُواْ أَمْرَ فِرْعَون وَمَا أَمْرُ فِرْعَونَ بِرَشِيدٌ يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ» وإبليس اتبعه قوم (إنَّ عِبَادٍ لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَنُ إِلَّا مَن إتَّبَعَكَ مِنَ ألْغَاوِينِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدْهُمْ, أَجْمَعِينَ" طاعة بليس هذا مآلها. وقوم اتبعوا رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه وسلم "فُلِ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّة فَاتَبِعُوِنِ يُحْبِبْكُمُ اللَّه" أما اتباع الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم فيجنى بسببه محبة الله. يقول الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم في الحديث القدسي (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا، يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم،[1]
يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه)1
«وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ الْقُرِىٰ وَهِيَ ظَالِمَةً إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ» إن اللّٰه تبارك وتعالى ليملي للظالم، يملي يمهل ولا يهمل، يملي ربما يمهل الظالم لأنه لا يفوته شيء ولا يعجزه شيء عندما يأخذه لم يفلته ولكن لا يهمل، عدله تبارك وتعالى يأبى ذلك إنَّ فِي ذَلِكَ) المذكور من القصص لايَةَ) لعبرة لِمَنْ خَاقَ عَذَابَ الآخِرَة ذَلِكَ يوم القيامة (يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ)11:103-11:104فيه النَّاس يوم يجمع فيه الناس جميعا ({ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ) يشهده جميع الخلائق (وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلِ مَعْدُودٍ) لوقت معلوم عند اللّه تبارك وتعالى لا عند غيره (يَوْمَ يَاتٍ،) ذلك اليوم (لا تَكَلَّمُ نَفْسٌُ)11:104-11:105 لا تتكلم نفس إِلاَّ بِإِذْنِهِ) تبارك وتعالى (فَمِنْهُمْ) الخلق (شَقِيٌّ وَ) منهم (سَعِيدٌ) كتب كل في الأزل. إن اللّٰه تبارك[1]
وتعالى فرغ من أربعة: من رزق الإنسان وأجله وشقي أو سعيدا، رفعت الأقلام وجفت الصحف. واعملوا فكل ميسر لما خلق له[3]. من خلقه اللّٰه للسعادة يوفقه لعمل أهل السعادة حتى يختم بعمل أهل السعادة فيسعد، ومن كتب اللّٰه عليه الشقاوة - نعوذ باللّه
- يخذله ويتركه يعمل عمل أهل الشقاوة حتى يختم بعمل أهل الشقاوة فيشقى. سعادة العبد بفضل اللّٰه ورحمته (لن يدخل أحدكم الجنة عمله)[4]، وشقاوة العبد بعدله لأن الظلم
لا يتأتى من اللّٰه تبارك وتعالى. الظلم التصرف في ملك الغير، فإنما ندخل الجنة برحمة اللّه تبارك وتعالى، ونتقاسم درجاتها بأعمالنا، ونكون فيها خالدين ابدا بنياتنا. والأشقياء يدخلون النار بعدل اللّٰه تبارك وتعالى، ويتقاسمون دركاتها بأعمالهم السيئة، ويخلدون فيها بنياتهم [1] (فَأَمَّا ألذِينَ شَقُوا)11:106 في علمه تبارك وتعالى (فَفِي النّارِلَهَمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقُ) صوت شديد (وَشَهِيقٌ) صوت ضعيف، صوت الحمار أوله زفير وآخره شهيق ((خَلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ) مدة دوامهما في الدنيا فالمراد سماوات الدنيا وأرضها (إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ)11:106-11:107 غير ما شاء ربك من الزيادة على مدتهما مما لا منتهى له، والمعنى خالدين فيها أبدا، هذا تفسير جلال [2]، (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدٌ وَأَمَّا ألذِينَ سَعِدُواْ فَفِي اَلْجَنّةِ خَٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ) غير (مَا شَآءَ رَبُّكُ)11:106-11:107 كما تقدم ودل عليه فيهم قوله (عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ)11:107-11:108 أي مقطوع. إن اللّٰه تبارك وتعالى وصف الخلود في الجنة، الخلود في كلام العرب ليس خلودا أبديا، المكث الطويل يطلق عليه العرب الخلود، فلهذا إذا أرادوا أن يكون خلودا أبدا يصفونه بأبَداً، وصف أهل الجنة وأهل النار بأنهم خالدون فيها في الجنة وفي النار أبدا ما دامت السماوات والأرض. كان العرب إذا أرادوا أن يعبروا بالخلود يقولون ما دامت السماوات والأرض لاعتقادهم أنهما خالدان، والقرآن جاء على لغتهم وعباراتهم فجاءت هذه الآية "مَا دَامَتِ السَّمَٰوَاتُ وَالاَرْضُ" يعني أبدا، أو ما دامت السماوات والأرض سماوات الآخرة وأرض الآخرة، لأن كل ما يظلك فهو سماء وكل ما يقلك فهو أرض، والمراد خالدين فيها أبدا إلا ما شاء ربك يقول المفسر 3: أوقات خروجهم
من الجحيم إلى الزمهرير. والحق أن أهل الجنة خالدون فيها أبداكما وصف القرآن وأهل النار خالدون فيها أبداكما وصف القرآن. وأهل الجنة سوف يستمرون في الجنة في التنعم والترقي في النعم حتى يصلوا إلى حالة تشبه حالتهم في الأزل، وأهل النار يبقون في الامتحانات والعذاب حتى يصلوا إلى حالة تشبه حالتهم في الأزل، عندما تجلى الأزل في الأبد كنا في علم اللّٰه في الأزل كما كنا في الدنيا، وكما سنكون في الجنة سنرجع إلى تلك الحالة أخيرا فيكون الأبد مرآة الأزل ويكون الباقي هو اللّه تبارك وتعالى "هُوَ ألاَوَّلُ وَالْآَخِرُ والظَّهِرَ وَالْبَاطِنَ" لابد أن اسمه الآخر يتجلى آخر كل شيء مع خلود أهل الجنة في الجنة وخلود أهل النار في النار (فَلاَ تَكّ) يا محمد (فِي مِرْيَةِ) شك (مِمَّا يَعْبُدُ هَؤْلَاءِ)11:108-11:109 من الأصنام، إنا نعذبهم كما عذبنا من قبلهم، وهذا تسلية للنبي صلى اللّٰه عليه وسلم ( مَا تَعْبَدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبَدُ ءَابَأَوَّهُم) أي كعبادتهم (مِن قَبْلَ) وقد عذبناهم فكيف بهم (وَإِنَّ لَمُوَفّهُم) مثلهم (نَصِيبَهُمْ) حظهم من العذاب (غَيْرَ مَنفُوصٌ) تاما (وَلَقَدَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ) التوراة ( فَاخْتُلِفَ فِيهِ) بالتصديق والتكذيب كالقرآن (وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ)20:129 بتأخير الحساب والجزاء للخلائق إلى يوم القيامة ( لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ) في الدنيا فيما اختلفوا فيه وَإِنَّهُمْ ) أي المكذبين به ( لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٌ)11:110-11:111 موقع في الريبة
*وَإِن كُلّا) كل الخلائق (لَمَا لَيْوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَلَهُمْ وَ) يوفي لهم جزاء أعمالهم جميعا
{إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) عالم ببواطنه كظواهره ( فَاسْتَقِمْ) يا محمد على العمل بأمر ربك والدعاء إليه ( كَمَآ أُمِرْتَ) أمر اللّٰه نبيه أن يستقيم كما أمره (وَمَنْ تَابَ مَعَكَ)11:111-11:112 وليستقم من تاب معك. رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه وسلم سارعه الشيب، شاب رأسه قبل وقت
الشيب، كلموه: يا رسول اللّٰه قد أسرع إليك الشيب؟ قال: (شيبتني هود وأخواتها)) قالوا بقصص الأنبياء وهلاك الأمم؟ قال: لا، بقوله «قَاسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ». أمره اللّٰه تبارك وتعالى أن يستقيم كما أمره اللّٰه تبارك وتعالى، "فَاسْتَقِمْ" الاستقامة أن يستقيم لسان العبد وتستوي جوارحه وقلبه وروحه وكله. المصطفى صلى اللّٰه عليه وسلم اتصف بذلك وأمر من اتبعه أن يستقيموا كذلك، فلابد من ترك الدنيا والإقبال على اللّٰه تبارك وتعالى حتى تحصل الاستقامة التي هي نصف التقوى ونصف الصدق والإخلاص (وَلاَ تَطْغَوِأْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)فيجازيكم به (وَلا تَرْكَنُواْ ) غيلوا {إِلَى أَلْذِينَ ظَلَمُوا ) بمواداتٍ أو مداهنة أو رضى بأعمالهم (فَتَمَسَّكُمْ النّارُ) إن لله أمناء من خلقه وهم العلماء فهم أمناء اللّٰه تبارك وتعالى وورثة أنبيائه ما لم يخالطوا السلاطين، فإذا خالطوهم بموادات ومداهنة ورضى بأعمالهم فقد خانوا اللّٰه والرسول[2]. ومخالطة العالم للسلطان على قسمين: أن يكون العالم هو الطالب،[1]
اللّه عليه وسلم لأصحابه حين قالوا: قد أسرع إليك الشيب فقال شيبتني هود وأخواتها. شرح النووي[2]
إذاً العالم هو الذي مال إلى الدنيا فهذا هو المذموم، أو يكون السلطان هو الطالب للعالم يريد منه الهداية والخير، هذا غير مذموم ولا ضرر فيه. فلهذا ورد شر العلماء من يأتي السلاطين وخير السلاطين من يأتي للعلماء «تَمَسَّكُمُ النَّار)(وَمَا لَكُم مِن دُونِ ٱللَّهِ)42:31
غيره (مِّنَ اوْلِيَاءَ) يحفظونكم منه (ثُمَّ لا تُنصَرُونَ)11:112-11:113 تمنعون من عذابه. إن اللّٰه تبارك وتعالى لا يقبل الظلم من الملِك أي ملِك كان، سواء ملك كافر أو مسلم. الدولة تستقيم مع الكفر ولا تستقيم مع الجور لأن الكفر جزاؤه النار فقط، وأما الظلم فلا بد أن ينتقم اللّٰه من الظالم في الدنيا. فلهذا تجد ملكا كافرا إذا عدل لا يضر ذلك ملكه، جزاء كفره عقابه في الآخرة، وأما إذا ظلم الناس فلابد أن يهلك. كان أنو شروان ملكا عادلا كتب إليه أحد عماله: إن البلاد أخصبت في هذا العام والمال كثير، تأذن لي أن أزيد في العشر ثلاثة أرباع؟ فما أجابه، فكتب ثانيا فما أجابه وثالثا فكتب إليه: كان في سكوتي عن جوابك ما يزجرك عن هذا والآن لما أبيت إلا جوابي فاقطع أذنك اليمنى وأرسلها إلي عقابا لبراواتك. ولما مات حُمل على سريره عاما كاملا يدورون به في مملكته يطلبون من يطالبه بحق فما رأوا أحدا يطالبه بحق [2] وهذا كان كافرا.
(وَأَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ أَليْلِ) سبب نزول هذه الآية أن واحدا من الأنصار يقال له أبو اليسر كان تاجرا فأتت امرأة جميلة تشتري تمرا فنظر إليها فأعجبته، فقال لها:
التمر الجيد في داخل البيت ادخلي فدخلت، فأهوى إليها وفعل بها كل شيء ما عدا
1 - قال في بهجة المجالس: كان يقال شر الأمراء أبعدهم من العلماء وشر العلماء أقربهم من الأمراء.
ص332.[2]
الجماع، ثم ندم على ذلك وتأسف وجاء إلى أبي بكر وأخبره القصة قال له: استر علمي نفسك واستغفر الله، فذهب إلى عمر فأخبره، قال له عمر: استر على نفسك واستعفر الله، فما ملك نفسه حتى أتى إلى الرسول صلى اللّه عليه وسلم، فأخبره، فقال له صلى الله عليه وسلم: لعلها زوجة مجاهد تتنظرون حتى يخرج المسلمون إلى الجهاد تبقون في بيوتم وتفعلون وتفعلون؟ غضب الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم قال: ولكني أنتظر الوحي، فلما صلوا العصر نزلت هذه الآية! «وَأَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفَيِ النَّهارِ»11:114 الغداة والعشي هذا الصبح
والظهر والعصر، «وَزَلَفاً مِن اْليْلِ» طائفة من الليل: المغرب والعشاء. هذه الصلوات الخمس كما في آية أخرى[1] (إِنَّ الْحَسَتَٰتِ) الصلوات الخمس (يَذْهِبنَ ألسَّيِئَاتِٓ ) يكفرن الذنوب الصغائر، فلما نزلت دعاه الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم قال له: صليت العصر
معنا؟ قال نعم، قال فإنّ الله قد غفر لك فقالوا: هذا لأبي اليَسَر وحده أم لنا عامة؟
قال: بل لكم عامة. (أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمسا ما تقول ذلك يبقي من درنه؟ قالوا: لا يُبقي من درنه شيئا قال فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو اللّٰه به الخطايا)2 «إِنَّ ألْحَسَنَٰتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتٌ» (ذَلِكَ ذِكْرِى لِلذُكِرِينٌ)11:114-11:115 عظة للمتعظين (وَاصْبِرْ)) يا محمد على أذى قومك أو على الصلاة (بَلَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينُ) بالصبر على الطاعة (فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْفُرُونِ) الأمم الماضية (مِن فَبْلِكُمٌُٓ أؤْلُواْ بَفِيَّةِ )أصحاب دين وفضل( يَنْهَوْنَ عَنِ اِلفَسَادِ فِي الأَرْضِ)11:115-11:116) هلا كان هذا؟ هلا كان بعض العلماء وبعض أهل الفضل وبعض أهل الدين يقومون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (إِلَّا) لكن (فَلِيلًا مِمَّنَ انجَيْنَا مِنْهُمْ) قليل منهم نهوا عن المنكر فنجوا (وَاتَّبَعَ
فلقى أبا بكر فأخبره فقال: تب ولا تعد ثم أتى النبي صلى اللّٰه عليه وسلم الحديث، وفي روايته أنه صلى مع النبي صلى اللّٰه عليه وسلم العصر فنزلت.
1- قوله تعالى: "فَسُبْٰن اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهْ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيّا وَحِينَ تُظْهِرُونُ" سورة الروم الآية 16.-17[2]
ألذِينَ ظَلَمُوا) بالفساد وترك النهي (مَا اثْرِجُوا) نعموا (فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ وَمَا كَان رَبُّكَ لِيَهْلِكَ الْفُرِىٰ بِظَلْمِ) منه (وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) مؤمنون إن اللّٰه تبارك وتعالى لا يهلك القرى وأهلها مصلحون أي مؤمنون (وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ألنَّاسَ أُمّةً وَاحِدَةٌ ) أهل دين واحد (وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ)11:118 في الدين (إِلَّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ)11:118-11:119) أراد لهم الخير فلا يختلفون يتفقون على أصل الدين الذي هو الإيمان ( وَلِذَلِكَ) أي لأجل الاختلاف ( خَلَفَهُمْ إن اللّه خلق الخلق وأراد اختلافهم منهم شقي وسعيد كما تقدم، والاختلاف المذموم هو الاختلاف في العقائد، أما إذا اتفقوا على أصل التوحيد واختلفوا في الفروع فذلك خير، وإليه يشير (اختلاف أمتي رحمة) إذا كان الاختلاف في الفروع فهذا لا يضر وأما الاختلاف في العقائد والحق واحد فهذا محل الضرر. (افترقت اليهود على إحدى أو ثنتين وسبعين فرقة كلها في النار، وتفرقت النصارى على إحدى أو ثنتين وسبعين فرقة كلها في النار، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة ما أنا عليه وأصحابي) [1] أي الذين تمسكوا بالسنة مع الجماعة (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ)11:118-11:119 وهي (لَأَمْلَأَنّ جَهَنَّمَ مِن أُلْجِنَّةِ)11:119 الجن ( وَالنَّاسِ أَجْمَعِينٌ وَكْلا) أي كل ما يحتاج إليه (نَفُصُّ عَلَيْكَ
مِن آنْبَآءِ اِلرّسُلِ مَا نُثَبِّتْ) نُطمئن (بِهِ، فُؤَادَكٌ) قلبك. أخبر اللّٰه تبارك وتعالى نبيه أنه عليه من أنباء رسله ما يثبت به فوَاد النبي صلى اللّٰه عليه وسلم، فلهذا تجد حكايات الصالحين نافعة للسامعين، قالوا: إن الحكاية جند من جنود اللّٰه يؤيد بها قلب من شاء من عباده بدليل «وَكُلًا نَفُضُّ عَلَيْكَ مِنَ آثْبَآءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ) (وَجَآءَكَ فِي هَذِه)11:120-11:121 الأنباء أو الآيات (وٱلْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرِى لِلْمُومِنِينَ) جاءك الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين خصوا بالذكر لانتفاعهم به فلا بد من الجمع بين الشريعة والطريقة والمعرفة والحقيقة، «ألْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرِىٰ لِلْمُومِنِينَ». تعمل بالشريعة وتسلك الطريقة بمعرفة تامة حتى تصل إلى الحقيقة. كان أبو بكر غالب المعرفة، وكان عمر غالب الشريعة، وكان عثمان غالب الطريقة، وكان علي غالب الحقيقة. كلهم بحر في كل هذه ولكن ما يغلب على حال كل واحد منهم هكذا. أبو بكر دائما تجد أحواله تطابق المعرفة، وعمر الشريعة وعثمان الطريقة وعلي الحقيقة ( وَفُل لِلذِينَ لا يُومِنُونَ إَعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمُ ) حالتكم (إِنَّا عَمِلُونَ) على حالتنا تهديد لهم ( وَانتَظِرُوا )عاقبة أمركم (إِنَّا مُنتَظِرُونَ) وعَظ الكفار أنهم يعملون على حالتهم ونحن نعمل على حالتنا وننتظر النتيجة. قال الصوفية: طلبنا أربعة فوجدناها في أربعة: طلبنا رضى اللّٰه فوجدناه في طاعته، من أراد رضى اللّٰه فليكثر من طاعة اللّٰه تبارك وتعالى، قالوا: وطلبنا السعة في الرزق فوجدناها في صلاة الضحى، وطلبنا نور القبر فوجدناه في صلاة الليل، وطلبنا سلامة الدين فوجدناها في حفظ اللسان. (وَلِلهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) علم ما غاب فيهما (وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ) يرد (الأمْرُ كُلُّهُ) فينتقم لمن عصى فاعْبُدْهُ) وحّده (وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ) ثق به فإنه كافيك {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) وإنما يؤخرهم لوقتهم.
مكية وهي مائة وإحدى عشرة آية
( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَن الرَّحِيمِ)1:1 سبب نزولها أن اليهود أرسلوا إلى أهل مكة: سلوا رسول الّه صلى اللّه عليه وسلم عن سبب انتقال بني إسرائيل من الشام إلى مصر، لا يعرفه أبدا، وسلوه عن قصة يوسف، فنزلت هذه السورة على رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه وسلم وأتتهم بقصة يوسف بكاملها، وكانت من مكنون علمهم، والذي يأتي بها رجل أمي نشأ في البادية ما جالس عالما قط، ولا كتب ولا قرأ، فأتاهم بما كان مكنونا في كتبهم. نزلت هذه السورة (ألَٓر) اللّه أعلم بمراده بذلك، أصح التفاسير فيه ذلك تِلْكَ هذه الآيات (ءَايَتُ الْكِتَٰبِ) القرآن (الْمُبِين)المظهر للحق من الباطل (إِنَّا أَنزَلْنَهْ فُرْءَاناً عَرَبِيَاً)
أنزلنا هذا القرآن بلغة العرب (لَعَلَّكُمْ) يا أهل مكة (تَعْفِلُونَ تفهمون معانيه. هذا شرف العرب، القرآن نزل بلغة العرب، فلهذا يقول الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم: (إن اللّه عز وجل خلق السماوات سبعا فاختار العلى منها فأسكنها من شاء من خلقه ثم خلق الخلق فاختار من الخلق بني آدم، واختار من بني آدم العرب، واختار من العرب مضرا، واختار من مضر قريشا واختار من قريش بني هاشم واختارني من بني هاشم، فأنا من خيار إلى خيار، فمن أحب العرب فبحبي أحبهم ومن أبغض العرب فببغضي أبغضهم)1 ويقول:
(أحبوا العرب لأني عربي والقرآن عربي ولسان أهل الجنة عربي)! ولما جاء القرآن عربيا وصفه بقوله («لعَلُّكَمْ تَعْفِلُونَ» هذا فإن تفسير القرآن يأتي منقولا وبأتي معتولا، مقولا لأن النبي صلى اللّٰه عليه وسلم هو الذي وكله اللّٰه أن يبين لنا القرآن "لِتَبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ" فكل ما نقل عنه به نفسر القرآن، وكذلك العقل أعطانا أن نتعقل لما قال «فُرْءَاناً عَرَبِيًّالْعَلَّكُمْ تَعْفِلُونٌ» فما وافق العقل من تفسير القرآن أيضا نقبله كذلك، تَحْنُ نَقُصُّ عَلِّيْكَ أَحْسً الْقَصَصِ) أخبره أنه يقص عليه أحسن القصص وهي قصة يوسف. لم تكون قصة يوسف أحسن القصص؟ لأنه الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم كما قال الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم: (الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم) [2]. يوسف نبي الله، يعقوب نبي الله، إسحاق نبي الله، إبراهيم خليل
عن أقوام، إن اللّٰه جل وعز خلق السماوات سبعا فاختار العلى منها فأسكنها من شاء من خلقه ثم خلق الخلق فاختار من الخلق بني آدم، واختار من بني آدم العرب، واختار من العرب مضر، واختار من مضر قريشا، واختار من قريش بني هاشم، واختارني من بني هاشم، فأنا من خيار إلى خيار فمن أحب العرب فبحبي أحبهم ومن أبغض العرب فيبغضي أبغضهم).
الله، ما تناسل ولد من ثلاثة أنبياء غير يوسف، فلما كان هو أحسن الناس صورة، ونسبه أحسن الأنساب وصف اللّٰه قصته بأنها أحسن القصص، أو ذكر أنها أحسن القصص لأنا قصة يوسف وهو أجمل الأنبياء ما عدا نبينا صلى اللّٰه عليه وسلم، فهو أعطي شطر الحسن!
وأُعطي نبينا صلى اللّه عليه وسلم الحسن كاملا، ولكن يوسف أعطي الملاحة وأعطي الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم الجمال مع الجلال. يوسف جماله تجرد عن الجلال، فلهذا راودته النساء، والرسول صلى اللّٰه عليه وسلم مع جماله مهاب من رآه بديهة أهابه ومن خالطه أحبه، فهو أجمل من يوسف ولكنه أجل منه، فلم يقع للنساء مع نبينا صلى الله عليه وسلم مثلما وقع لهن مع يوسف عليه الصلاة والسلام. أحسن القصص: جبريل أحسن الملائكة، والقرآن أحسن الكتب، ويوسف صاحب القصة أحسن الأنبياء، ونزل على محمد أحسن الناس مطلقا. لا جرم أن سميت أحسن القصص.
. أو أحسن القصص لأن فيها حسد إخوة يوسف ليوسف ومحاولتهم لقتله وإلقاءه في الجب وبيعه حتى صار عبدا وغربته وسجنه ودخل في خبره خبر تزويجه بزليخا، فرقة ووصلة، وعشق وعاشق ومعشوق، وفراق ووصال، كل قصة تضمنتها قصة يوسف حتى صار ملكا سائسا بعدما كان عبدا مملوكا، وحسده إخوته فعفا عنهم من غير مؤاخذة "لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ أْليَوْمَ يَغْفِرَاللَّهُ لَكُمْ فلهذا قال ابن عباس: علموا أرقاءكم ، ما قرأها محزون إلا فرج له عليه. (بِمَا أَوْحَيْنَا) بإيحائنا (إِلَيْكَ هَذَا الْفُرْءَاتَ وَان كُنتَ صِ قَبْلِهِ، لَمِنَ الْغَفِلين))
الجاهلين بخبر يوسف. اذكر (إِذْ فَالَ يُوسُفُ لَابِيهِ) يعقوب (يَٰٓأَبَتِ )يا أبي إِّ نَه
الإيمان/ باب الإسراء برسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه وسلم (234).
في المنام (أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْفَمَرَ رَأَيْتُهُمْ) تأكيد( لِي سَجِدِينٌ)) أي له، رأى في المنام أولا اثنتي عشرة خشبة طوالا ركزت على الأرض فخرجت خشبة صغيرة منها وتغلبت على الإحدى عشرة حتى قلعتها. قصها على أبيه فقال له: لا تقص هذه الرؤيا 1، فرأى بعد ذلك هذه الرؤيا التي ذكرها القرآن، قال إنه رأى في المنام أحد عشر كوكبا والشمس والقمر يسجدون له فسمعته ضرة أمه وقصت القصة على إخوته فقالوا ما رضي أن يسجد له إخوته حتى يسجد له أبوه وأمه، سيرى وهموا بقتله. سمي يعقوب يعقوب لأنه ولدته أمه توأما، كان يعقوب وعيص توأمين فلما حضرت ولادتهما أراد يعقوب أن يسبق فعرض له عيص وقال له: إذا أردت أن تسبقني فسأعترض في بطن أمي فتموت أمنا ونموت جميعا، فتأخر يعقوب وخرج عيص فتبعه يعقوب، فلهذا سمي يعقوب، فصار يعقوب أحب إلى أمه، وعيص أحب إلى أبيه إسحاق، فلما قربت وفاة إسحاق، لكل نبي دعوة مستجابة، دعا عيصا وكان عيص حرفته الصيد، ويعقوب يربي الحيوانات، قال إسحاق لعيص: صد لي وحشا واشو لي لحمه وآتني به أدع لك الدعوة التي ادخرت، فسمعته أمه وذهبت إلى يعقوب فقالت له: اذبح شاة واشوها الآن وأت بها إلى أبيك لتأخذ هذه الدعوة، وكان إسحاق قد كف بصره، فشوى يعقوب وأتى بالشوى ولبس جلد الشاة، وقال له: أنا ابنك عيص جئتك بالشوى، لمسه فقال: اللمس لمس عيص ولكن الرائحة رائحة يعقوب ولكن أسأل اللّٰه تبارك وتعالى أن يجعل النبوة والرسالة في ذريتك، فلما خرج يعقوب جاء عيص بالصيد مشويا قال له: جئت ها هو اللحم، قال له: سبقك يعقوب، ولكن ادخرت دعوة أخرى أسأل اللّٰه أن يكثر من ذريتك حتى يكونوا كالتراب، فكان عيص والد الروم الذي خرج من صلبه هؤلاء الأوربيون جميعا، بقيت الكثرة والقوة في أولاد عيص، والرسالة والنبوة
في أولاد يعقوب. فحسد عيص يعقوب يريد أن يقتله فلما قربت وفاة إسحاق قال: احمدوا يعقوب إلى بلاد أخواله في الشام، يخاف أن يقتله عيص. فلما حمل إلى الشام وجد خال عنده بنتان ليًا وراحيل فخطب من خاله إحدى البنتين قال له: هل عندك مال؟ قال: لا قال له: إذاً ترعى لي سبع سنوات وأزوجك، فرعى له سبع سنوات وكان يحب راحيل فزوجه ليَا الكبيرة، فلما دخل بها أتى لخاله وقال له: خنتني وخدعتني إنما كنت أخطب راحيل وأنت أعطيتني ليا، قال: عادتنا لا نزوج صغيرة ما دامت كبيرتها لم تتزوج، ولكن ترعى بي سبع سنوات أخرى أزوجك راحيل معها، كان الجمع بين الأختين جائزا في شرعهم، فرعى سبع سنوات وتزوج راحيل1. ولدت ليا له ستة أولاد: يهودا، روبيل، شمعون، لاوى، ربالونَ، يشجر. وكلتا البنتين زودت بأمة فصار عند يعقوب زوجتان ليا وراحيل وأمتان، أما ليا فولدت ستة بنين، والجاريتان كل جارية ولدت ابنين دانٍ ونفتالى من أمة، جاد وآشر من أمَة أخرى. هؤلاء عشرة أولاد وبقيت راحيل ما ولدت حتى ولدت يوسف وولدت بنيامين وماتت في نفاسها على بنيامين. هؤلاء أولاد يعقوب الاثنا عشر: يوسف أصغرهم ما عدا بنيامين. فكان من الجمال كما وصف القرآن. فأحبه يعقوب حبا شديدا، وكان يلازمه دون بنيه، فلما رأى هذه الرؤيا وقصها على أبيه عرف الوالد تفسير الرؤيا، الأشياء إذا ريئت في الغيب تأتي على خلاف ما تظهر، أحد عشر كوكبا هو أحد عشر أخاً، والشمس والدته والقمر أبوه، والدته ماتت ولكن خالته قامت مقام الوالدة. وهذه الرؤيا
رآها يوسف وبقي ثمانين سنة1 قبل أن تتحقق، فلهذا الرؤيا الصالحة يتأخر ظهور تفسيرها لأنها بشارة أراد اللّٰه أن يطلعك على ما يسرك قبل إبانه، بخلاف الرؤيا السيئة فإنها تظهر عاجلا، ولأنها إساءة يؤخرها اللّٰه تبارك وتعالى إلى قرب ظهورها فلا ترى رؤيا سيئة إلا وجاءت قريبا. فبين بداية الرؤيا وتأويلها مكث يوسف ثمانين سنة. لما رأى الكواكب وهي إخوته، والشمس وهي خالته، والقمر وهو أبوه، كان كما رأى الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم أنه يذبح بقرا ورأى ثلما في سيفه في غزوة أحد فكان تأويل ذلك ما وقع في أحد من استشهاد المسلمين، والهزيمة التي وقعت للمسلمين هو الفل الذي وقع في سيف النبي صلى اللّٰه عليه وسلم2، هكذا الرؤيا ولهذا يصعب تأويل الرؤيا إلا لمن يعلم العربية جدا ويعلم القرآن والحديث، ويكون نير القلب، هذا ربما إذا عبر الرؤيا يكون موافقا، على أن الرؤيا لأول عابر
3، فلهذا من رأى رؤيا يكتمها عن أعدائه لأنه إذا عبر بشيء يقع كما عُبر ولو كان غير ذلك، ( فَالَ يَبُنَيِّ لا تَفْصُصْ رُءْيَاكَ عَلَىّ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْداً ) يحتالوا
الفقار يوم بدر وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد فقال رأيت في سيفي ذي الفقار فلاً فأولته فلاّ يكون فيكم ورأيت أني مردف كبشا فأولته كبش الكتيبة ورأيت أني في درع حصينة فأولتها المدينة ورأيت بقرا تذبح فبقر والله خير، فبقر والله خير فكان الذي قال رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه وسلم)
مسند أحمد: مسند بني هاشم / مسند عبد اللّٰه بن عباس (2318).
في هلاكك حسدالعلمهم بتأويلها من أنهم هم الكواكب والشمس أمك والقمر أبوك لِلَّ (إنَّ الشَّيْطَٰنَ لِلانسَنِ عَدُوٌ مُبِينٌ)12:5 أسند الأمر إلى الشيطان لأنه تجلي اسمه المضل، ( وَكَذَلِكَ) كما رأيت (يَجْتَبِيكَ) يختارك (رَبُّكَ وَيُعَلِّمْكَ مِن تَاوِيلِ الاحَادِيثِ)12:6-12:7
تعبير الرؤيا (وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ) بالنبوة (وَعَلَىّ ال يَعْفُوبَ) أولاده (كَمَا أَتَمَّهَا) بالنبوة (عَلَى أَبَوَيْكَ مِن فَبْلُ إِبْرَهِيمَ وَاسْحَقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ )بخلقه (حَكِيمٌ) في صنعه.
(لَفَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ) في خبر يوسف (وَإِخْوَتِهِ) وهم أحد عشر ءَايَتٌ) عبر (لِلسَّائِلِينَ) عن خبرهم. اذكر (إِذْ فَالُوا) بعض إخوة يوسف لبعضهم {لَيْوسُفُ وَأَخُوهُ)
شقيقه بنيامين (أَحَبٌّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةُ)12:8 جماعة (إِنَّ أَبَانَا لَفيِ ضَلَلٍ)12:7-12:8 خطإ (مُبِين) بين بإيثارهما علينا (أفْتُلُوا يُوسُفَ) الدواء في هذا أن تقتلوا يوسف (أو إطْرَحُوهُ أَرْضا أو تطرحونه بأرض بعيدة. ساوى بين القتل والتغريب. فعلى هذا التغريب الذي كان يقع من النصارى لأبناء المسلمين بمنزلة القتل (يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ )12:8-12:9، مقصودهم بقتل يوسف أن ينسى يوسف ويخلو لهم وجه أبيهم فيقبل عليهم ولا يلتفت لغيرهم، هذا مقصودهم ( وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ)12:8-12:9 بعد قتل يوسف أو طرحه (فَوْماً صَلِحِينَ))، تتوبون إلى اللّٰه تبارك وتعالى فتصيرون من الصلحاء ويوسف قد هلك. هذا الحسد سبق لإخوة يوسف.
الإخوة على قسمين أخ يحسد أخاه ويحاول قتله وهلاكه كما وقع لإخوة يوسف في البداية، ويوجد أخ صاف يحب لأخيه ما يحب لنفسه كما وقع لموسى أرسله اللّٰه فطلب أن يشاركه أخوه في الرسالة حتى أرسل رسولا مع موسى، هذا غاية في محبة الأخ لأخيه، حتى صار نبيا بسبب أخيه. الإنسان ينبغي أن يكون في الصنف الثاني لا في الأول( فَالَ فَآئِلٌ مِنْهُمْ )
وهو يهودا (لا تَفْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْفُوه) اطرحوه (فِي غَيَبَٰتِ الْجُبِّ)12:15-12:16 مظلم البئر ((يَلْتَفِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ) المسافرين {إِن كُنتُمْ فَعِلِينَ)) ما أردتم من التفريق فاكتفوا بذلك. كان
شدهم محبة فيه يهودا للقرابة بينهما هما أبناء خالة (فَالُواْ يَأَبَانَا مَا لَكَ لا تَامَنَا عَلَىٰ يُوسُفَ وَانَالَهُ لَنَصِحُونَ) أتوا إلى أبيهم وقالوا له: لماذا لا ترسل يوسف أبدا يمشي معنا؟ (أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً) إلى الصحراء (يَرْتَع وَيَلْعَبْ) ينشط ويتسع (وَإنَّا لَهُ لَحَٰفِظُونَ) نحن نحفظه لا يصيبه شيء (فَالَ إِنِّي لَيْحْزِنُنِيَ أَن تَذْهَبُوا بِهِ ذهابكم به لفراقه (وَأَخَافُ أَنْ يَاكْلَهُ الذِّيبُ) كانت أرضهم كثيرة الذئاب (وَأَنتُمْ عَنْهُ غَفِلُونَ)12:12-12:13 مشغولون. والسبب في هذا أن يعقوب رأى في المنام أحد عشر ذئبا أخذوا يوسف وأرادوا قتله حتى تغيب عنه يوسف وما رآه بعد ذلك 1، لهذا قال لهم أخاف أن يأكله الذئب، والبلاء موكل بالمنطق 2، حيث قال إنه يخاف أن يأكله الذئب سيأتيه الخبر أنه أكله الذئب، لا سيما وهو من أهل اللّٰه من خواص الحضرة لما خاف من غير اللّٰه عاتبه اللّٰه على ذلك، فلذلك يأتيه الخبر الآن أن الولد أكله الذئب (فَالُواْ لَبِنَ اكَلَهُ الذِّيبُ وَنَحْنُ عُصْبَةُ) جماعة إِنَّا إِذاً لَخَسِرُونَ)
عاجزون نحن عشرة رجال عندهم صغيرهم يأخذه الذئب إذًا فنحن عاجزون، أرسلْه معنا فقط. على ما رأى وعلى ما قال أرسله معهم (قَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعْوا) عزموا ( أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَبَتِ الْجُبِّ)12:15-12:16 نزعوا قميصه وضربوه ففر إلى أحدهم فضربه وفر إلى آخر فضربه، وفر إلى آخر فضربه، وخلعوا ثوبه وجردوه فصار يصيح يقول: يا يعقوب لو رأيت ما يفعل بي أبناء الإماء، فأخذوه وألقوه في البئر بعدما قيدوه، فلما وقع في البئر وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها دعا اللّٰه تبارك وتعالى: يا شاهدا غير غائب، يا قريبا غير بعيد يا
غالبا غير مغلوب فرج علي 1، ليس بصبي فجاءه جبريل (وَأوْحَيْنَا إِلَيْهِ) في الجب الَتَيَهم بعد اليوم (يأَمْرِهِمْ) بصنيعهم (هَذَّا) أوحى اللَّه إليه قبل سن الوحي عادة
اللّٰه أنه لا ينزل الوحي إلا على ابن أربعين سنة، كذلك الولاية لا تتكامل في الشخص إلا بعد أربعين سنة والعلم والعقل كذلك، أوحى اللّٰه إلى يوسف وهو ابن سبع عشرة سنة، ويحيا ابن ثلاث سنين، وعيسى عندما ولِد، ما سوى هؤلاء من الأنبياء ما نُبئ إلا بعد أربعين. فلما دخل في الجب كل ما كان فيه من الحيات والحشرات لجأوا إلى زاوية أخرى إكراما ليوسف عليه الصلاة والسلام ما عدا الأفعى فإنه تعرض له فحال جبريل بينه وبينه وألقى على أذنيه الصمم، فلذلك تجد الأفعى أصم دائما2. أوحى اللّٰه إليه «لَتَنَبِئَنّهُمْ» بعد اليوم «بِأَمْرِهِمْ» بصنيعهم «هَذَا» أوحى اللّه إليه وهو صغير تطمينا لقلبه أنه سيلقى إخوته ويخبرهم بهذه القضية (وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ)26:202 لا يشعرون لأن حاليكما متباينان في ذلك الوقت، عندما تلتقون مرة أخرى تلتقون في أحوال متباينة حتى هم لا يعرفونك. ووقع ذلك، التقوا وهو ملك وهم صعاليك فما شعروا أنه يوسف (وَجَآءْو أَبَاهُمْ عِشَآءً يَبْكُونَ)12:16 فلما فعلوا ما فعلوا تأخروا إلى الليل، فلما جن الليل دخلوا على يعقوب كلهم يبكي (قَلُوا يَأَبَنَا إِنَّا ذَهَبْنَا تَسْتَبِقُ نرمي (وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَٰعِنَا ثيابنا ( فَأَكَلَهُ الذِّيبُ) قال أكله الذئب؟ قالوا: نعم، قال: آتوني بقميصه، أتوا بالقميص فإذا هو ملطخ بالدم فصار يشم القميص ويقول ما أحلم هذا الذئب قتل ولدي وما شق قميصه، قالوا (وَمَآ أَنتَ بِمُومِنٍ) بمصدق (لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَدِفِينُ) تتهمنا في هذه القصة لمحبة يوسف ( وَجَاءَ و
عَلَىٰ فَمِيصِهِ بِدَمِ كَذِبٍ) ذبحوا سخلة ولطخوه بدمها ونسوا أن يشقوا القميص (فَالَ)
يعقوب لما رآه صحيحا وعلم كذبهم (بَلْ سَوَّلَتْ) زينت (لَكُمٌُٓ أَنمُسُكُمُٓ أَمْرَأ) ففعلتموه (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) لا جزع، أمري صبر جميل (وَاللَّهُ الْمَسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ)12:18 على ما تذكرون من أمر يوسف.
يحكى أن يعقوب كان عنده بقرة يحلبون لبنها ليوسف، ولحرص يعقوب على يوسف ذبح العجل ليبقى اللبن متوفرا ليوسف، فعاتبه اللّٰه من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين 1، أنه فرق بين العجل وأمه فهو سيفرق بينه وبين يوسف. ومن جانب يوسف، يوسف نظر في مرآة يوما فرأى جماله فأعجب به فقال: لو كنت عبدا يباع لجئت بثمن لا يعرف قدره إلا اللّٰه تبارك وتعالى فابتلاه اللّٰه وبيع بثمن بخس (وَجَآءَتْ سَيَّارَة) مسافرون من مدين إلى مصر فنزلوا قريبا من جب يوسف ( أَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ) الذي يرد الماء ليستقي منه ( بَأَدْلى أرسل ( دَلْوَهُُ) في البئر، فتعلق بها يوسف فأخرجه فلما رآه فَالَ يَٰبْشْرِىَ)
البشرى احضري هذا وقتك (هَذَا غلَمٌ) يوسف لما دعا بدعوته السابقة ما بات في الجب: يا شاهدا غير غائب، يا قريبا غير بعيد، يا غالبا غير مغلوب فرج علي، ما بات في البئر، جاءت سيارة في ذلك اليوم والإخوة قريب من البئر يرتقبون ماذا سيكون من أمر يوسف، فلما سمعوا الوارد تكلم: هذا غلام، جاء إخوته وعلموا أنه يوسف فأتوه (وَأَسَرُّوهُ)
أخفوا أمره جاعليه (بِضَعَةً ) قالوا له هذا عبدنا، عبد آبق ضل علينا ونحن نريد أن نبيعه لك ( وَاللَهُ عَلِيمْ بمَا يَعْمَلُونَ)12:19-12:20 قال له المبتاع: أنت عبد؟ فسكت يوسف. أنت عبد؟ فعلم أنه إن قال لا، يتركه ولكن يتركه لإخوته فيقتلونه أو يحاولون قتله مرة ثانية، قال: نعم
\- سبق تخريجه في الدرس 25 عن كشف الخفاء (1137)
أنا عبد، وهو ينوي أنا عبد لله تبارك وتعالى 1 وَشَرَوْهُ) باعوه وبِثَمَنٍ بَخْسٍ)، ناقص( دَرّٰهِمَ مَعْدُودَةِ) عشرين درهما فقط (وَكَانُوا) إخوته (وفِيهِ مِنَ الزَّٰهِدِيرن) زهدوا في حتى باعوه بثمن بخس عشرين درهما فقط. خرج الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم يوما إلى المسجد، فتلقاه الصبيان فقالوا له: كن لنا بعيرا كما تكون للحسن والحسين، قال لسلمان:
ادخل البيت إذا وجدت فيه شيئا آتني به أفد نفسي من هؤلاء الصبيان، أتاه بثمان جوزات فدفعها للصبيان فرضوا، فقال: إن كان يوسف بيع بثمن بخس فهؤلاء كذلك باعوني بثمان جوزات 2 «وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزِّٰهِدِينٌ»12:20 فجاءت به السيارة إلى مصر فباعه الذي اشتراء بعشرين دينارا أو زوجي نعل وثوبين، بيع أيضا بثمن بخس مرة ثانية، فلما رأوا حسنه وجمال نادوا لبيعه فتنافس فيه جميع الأغنياء، فكل أهل مصر حضروا لأن يشتروا يوسف حتى عجوز ما كان عندها إلا شيء من الخيوط أتت بخيوطها أنها تشتري يوسف، فتنافسوا فيه حتى اشتري بوزنه ذهبا ووزنه فضة ووزنه عودا ووزنه مسكا ووزنه حريرا وكان أربعمائة كيل، الآن غلا الثمن ما استطاع أن يشتريه إلا عزيز مصر فاشتراه 3 (وَفَالَ ألذِى إشْتَرِيْهُ مِن مِصْرَ) وهو قطيفير العزيز (لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِى مَثْوِيْهُ) مقامه عندك ( عَسِىّ أَنْ يَنَفعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً) تفرس فيه، حقق اللّٰه فراسته. أصدق الناس فراسة عزيز مصر الذي قال في يوسف «أَكْرِمِى مَثْوِيٰه) مقامه عندك (عَسىّ أَنْ يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً» وآسية بنت مزاحم قالت مثل ذلك في موسى " عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا) وأبو بكر الصديق رضي اللّٰه عنه عندما حضره الوفاة قال: إني خلفت فيكم عمر بن الخطاب وأظن أنه سيعدل فإن كان كما أظن
فالحمد لله وإن كان غير ذلك "وَسَيَعْلَمْ ألذِينَ ظَلَمُوا أَىَّ مُنفَلَبٍ يَنقَلِبُونَ" فراسته في عمر أيضا صدقت. زليخا بنت طيموس ملك المغرب كانت بنتا باهرة الجمال، فخطبها الملوك كلا فلم تقبل، لأنها رأت في المنام شابا جميلا ما ريئ قط مثل جماله فسألت عنه فقيل لها هذا عزيز مصر فقالت لأبيها إنها لا تتزوج إلا بعزيز مصر، فصارت تأتي الرسائل من جميع الملوك والأغنياء والكبراء، إذا عرض لها أبوها رسالة تقول: وعزيز مصر ما كتب؟ حتى مرضت وظهر فيها العشق، حتى ظن أنها مجنونة أو مريضة، سلموها للأطباء فما رأوا فيها مرضا، قالت داياتها إنها عاشقة تحب رجلا لم تره فكتب أبوها إلى عزيز مصر أنه يزوجه بنته وليرسل وفدا يأخذونها إليه، فأتى رسل عزيز مصر فجهزها أبوها بالعبيد والإماء والأموال وركبت إلى مصر، فتلقاها زوجها قطيفير فلما نظرت إليه فإذا هو ليس الذى رأت في المنام فحزنت حزنا شديدا صارت تبكي ليلا ونهارا، فإذا الزوج عنين لا يأتي النساء، فبقيت هذه المدة عند عزيز مصر، فإذا بيوسف دخل عليها غلام لها فنظرت إليه فإذا هو الرؤيا التي رأت من قبل 1 (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى الارْضِ)12:56 أرض مصر وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَاوِيلِ الأَحَادِيثِ) تعبير الرؤيا وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ) تعالى لا يعجزه شيء (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاس)30:6 وهم الكفار (لا يَعْلَمُونَ وَلَمَّا بَلَغَ أَشدَّهُ وهو ثلاثون سنة ( ءَاتَيْنَهْ حُكْمَا)
حكمة (وَعِلْما فقها في الدين قبل أن يبعث نبيا (وَكَذَلِكَ) كما جزيناه ( نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ) وكان يوسف قسم أيامه ثلاثة أقسام: قسم يعبد ربه تبارك وتعالى، وقسم يبكي، وقسم يسبح لله تبارك وتعالى 2. حاولته زليخا بكل محاولة فلم تجد سبيلا إليه، فأمرت داياتها أن يبنوا لها قصرا مزخرفا بأنواع الزينة والطيب لتجد مرادها في يوسف، فلما
روح البيان ج234/4.
تم البناء أدخلت زوجها فأعجبه جدا حسن القصر وقال لها: سميه بيت السرور، فسموه بيت السرور، أرسلت إلى يوسف وزينته أيضا بأنواع الملابس، وتزينت هي، عليها سبع حلل، وجعلت على رأسها الدر واليواقيت، وكانا آية في الجمال، قالت: أدخلوا يوسف وإذا دخل فاغلقوا الباب من ورائه. فأدخلوه بيتا فقفلوه وأدخلوه بيتا فقفلوه حتى البين السابع فقفلوه، بقيت هي وهو فقط قالت له: يا يوسف ما أحسن عينيك\! قال: هما أول ما يسيل ماء مني ويرجع إلى التراب. قالت: ما أحسن شَعرك\! قال: هو أول ما ينتشر مني. قالت: ما أحسن وجهك\! قال: هو أول ما يصير دما وصديدا، قالت: يوسف انظر إلى فقد حرقت قلبي بالمحبة. قال: زوجك أحق بذلك 1. (وَرَاوَدَتْهُ أَلتِّى هُوَ فِى بَيْتِهَا) هي زليخا (عَى نَفْسِهِ) طلبت منه أن يواقعها (وَغَلَّفَتِ الابْوَابَ) للبيت (وَفَالَتْ هِيتَ لَكَ) هلم إلي، أخيرا قالت هذه العبارة «هِيتَ لَكّ» (فَالَ) يوسف ( مَعَاذَ اللَّهِ ) أعوذ بالله من ذلك (إِنَّهُ أي الذي اشتراني (رَبِّىَ) سيدي أحْسَنَ مَثْواىَ) مقامي فلا أخونه في أهله (إِنَّهُ ) الشأن (لا يُفْلِحُ الظَّلِمُونَ)6:134-6:135 الزناة. امتنع يوسف (وَلَفَدْ هَمَّتْ بِهِ) قصدت منه الجماع (وَهَمَّ بِهَا) قصد ذلك ( لَوْلَا أَن رءا بُرْهَنَ رَبِّهِ)12:23-12:24) قال ابن عباس: لجامعها، وهذا التفسير غير سديد. الصواب أن في الآية تقديما وتأخيرا «وَلَفَدْ هَمَّتْ بِهِ» زليخا هذا واضح ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها أيضا2. يوسف ما همّ لأنه
أراد: ولقد همت به ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها. القرطبي ج 166/9.
رأى برهان ربه\!. البرهان قيل إنه رأى يعقوب فضرب صدره فخرجت شهوته 2، وقيل رأى ديوان الأنبياء وقيل له إن وقع في هذا يمحى من ديوان الأنبياء 3 (كَذَلِكَ)) كما أريناه البرهان (لِتَصْرِفَ عَنْهُ السُّوَءَ) الخيانة (وَالْفَحْشَاء) الزنا (إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِين) في الطاعة. بلغ الغاية في الإخلاص (وَاسْتَبَقَا أَلْبَابَ) بادرا إليه يوسف للفرار وهي للتشبث فأمسكت ثوبه وجذبته إليها (وَفَدَّتْ) شقت (فَمِيصَهُ مِنْ دُبْرِ وَأَلْفَيَا) وجدا ( سَيِّدَهَا) زوجها (لَدَا أَلْبَابِ) لما وقعت هذه القضية فإذا بقطيفير بالباب، فنزهت نفسها ثم ( فَالَتْ مَا جَزَآءُ مَنَ آرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً) زنا (الاَّ أَنْ يُسْجُنَ)12:25-12:26 يحبس (أَوْ عَذَابُّ الِيمُ)12:25-12:26 بأن يضرب، لا تذكر عقابا شديدا (فَالَ) يوسف متبرئا (وهِيَ رَوَدَتْنِي عَى نَفْسِى ) كذبها وقال الحق، وقع نزاع ( وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنَ اهْلِهَا)12:26-12:27 في ذلك الوقت ولدت جارية فنطق الولد عندما سقط، هو الذي شهد بهذا4 (إِنْ كَانَ فَمِيصُهُ فُدَّ مِن فُبْلٍ) قدام ( فَصَدَفَتْ وَهُوَ) يوسف (مِنَ الْكَذِبِينٌ وَإن كَانَ فَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ) خلف (فَكَذَّبَتْ) زليخا (وَهُو يوسف مِنَ الصَّدِفِينَ) المولود الذي ولد الآن هو الذي نطق بهذه الجملة ( فَلَمّا
وهو أحد قولي الصاوي وقد رجحه. حاشية الصاوي 240/2.
ب١٤ زوجها (فَمِيصَهُ فُدَّ مِن دُبُرٍ فَالَ إِنَّهُ ) أي قولكِ «مَا جَزَآءُ مَنَ آرَادَ) (من كَيْدِكْنَّ) أيها النساء (إِنَّ كَيْدَكْنَّ عَظِيمٌ )12:27-12:28 من هذا من اهل النساء فقط فهم الوج القضية، علم أنها هي التي تراوده، وأن ما قالت كذب كلا ثم قال ( يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا)12:29 قطفير رجل صاحب مروءة، أعرض عن هذا الأمر لا تذكره لا يسمع أحد وا الخبر {(وَاسْتَغْفِرِي) يا زليخا (لِدَّنْبِكِ إِنَّكِ كُنتِ صِنَ ألْخَاطِئِينَ) الآثمين، حاول كتمان
الخبر فاشتهر الخبر في البلد وشاع (وَفَالَ نِسْوَةٌ فِي اِلْمَدِينَةِ) مدينة مصر، هن امرأة الخباز وامرأة الطباخ وامرأة الساقي حضرن القضية، فقصصن القصة على الناس وصرن يتكلمن
في سيدتهن (إمْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَيْيْهَا) عبدها عَى نَفْسِهِ، فَدْ شَغَبَهَا حُبَّاً) دخل حبه شغاف قلبها (إِنَّا لَنَرِيْهَا فِي ضَلَلٍ)12:29-12:30 خطا ( مُبِينٍ) ما كان ينبغي من زليخا أن تتعلق بحب عبد لها فقط ( فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ)12:30-12:31 غيبتهن لها { أَرْسَلَتِ اِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ) أعدّت (لَهُنَّ مُتَّكَئَا) طعاما يقطع بالسكين للاتكاء وهو الأترج (وَاتَتْ) أعطت (كَلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهََّ سِكِّينا وَفَالَتْ) ليوسف (أخْرُجْ عَلَيْهِنَّ) فلما جلس النساء كل واحدة بيدها سكين تقطع الأترج خرج يوسف ووقف بين أيديهن، (قَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَ) عظمنه (وَفَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ) بالسكاكين كلهن اشتغلت بقطع يدها ولم تشعر بالألم من شدة محبة يوسف {وَفُلْنَ حَٰشَ لِلهِ) تنزيها لله (مَا هَٰذَا بَشَراً )12:30-12:31 يوسف هذا ليس من بني آدم هوان (هَذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ)12:30-12:31 هذا ملك وليس كل ملك هكذا. ملك كريم من الملالة لما حواه من الحسن الذي لا يكون عادة في النسمة البشرية. وفي الصحيح أنه أعطي شطر
.→
الحسن 1. اللّه تبارك وتعالى من رحمته بنا ما أرانا صور الملائكة لو رأينا صور الملائكة وما فيها من الجمال لفتنا بهذا، والشاهد على ذلك أن النبي صلى اللّٰه عليه وسلم لما رأى جبريل على صورته في بداية النبوة سقط مغشيا عليه2، يوسف كان جميلا، إذا مشى في الزقاق تنظر صورته يتلألا كأنه برق، فلما فعلت النساء ما فعلن وقلن هذا الكلام (فَالَتْ) امرأة العزيز (فَذَالِكُنَّ ألذِى لُمْتُنَّنِى فِيهِ) هذا هو الذي لمتنني في حبه، بيان لعذرها ( وَلَفَدْ رَاوَدتُهُ عَن نَفْسِهِ، فَاسْتَعْصَمٌ) أنا التي راودته وامتنع هو (وَلَإِن لَمْ يَفْعَلْ مَا ءَامُرُهُ )
خلعت جلباب الحياء، الآن لما رأت ما وقع في النساء قالت: لا بد أن يفعل ما آمره به «وَلَإِن لَمْ يَفْعَلْ مَآ ءَامُرُهُ» به (لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّٰغِرِينُ) الذليلين فقلن له: أطع مولاتك. قال الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم: إن المؤمن يهون اللّٰه عليه سكرات الموت حتى يخرج روحه ولا يحس بالألم 3، رأى عالم من العلماء الرسول صلى اللّه عليه وسلم وقال له:
هذا الذي قلت إن المؤمن يخرج روحه ولا يحس بسكرات الموت أين هو في القرآن؟ قال
له: هو في القرآن، قرأ المصحف من أوله إلى آخره وما رآه فرأى المصطفى صلى الله عليه
وسلم ثانية فقال له: قرأتُ المصحف كله وما رأيتُ فيه هذا، قال له المصطفى صلى الله عليه وسلم: اقرأه أيضا إذا قرأته تحده فيه، فقرأه ثالثة فرأى المصطفى صلى اللّٰه عليه وسلم فقال إنه ما رآه، قال له: اطلب هذا في . فقرأ حتى بلغ قصة النساء، لما قطعن أيديهن ولم يشعرن بالألم لجمال يوسف، علم أن اللّٰه يقدر آن يهون سكرات الموت
عبده حتى يخرج روحه وليس له شعور بالألم {فَالَ رَبِّ السِّجْنَ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِےٓ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّے كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ اَ۬لْجَٰهِلِينَۖ )المذنين راى يوسف شدة تعلق النساء به فر إلى اللّٰه تبارك وتعالى، طلب من اللّه أن يدخله السجن ويحفظه من النساء، وهذا قبل كماله، لو بلغ الكمال في ذلك الوقت لطلب من اللّٰه تبارك وتعالى أن يقيه شر النساء ويقيه شر السجن. إن اللّٰه قادر على ذلك. فعلى هذا يقول الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم إذا دعوت فلتجزم أعزم في الدعاء ادع جازما فإن الله لا مستكره له2، لا يفعل إلا ما يريد، من ذلك ما يقول العبد اللهم اعطني كذا إن كان خيرا لي، لا، سل اللّٰه أن يعطيك ما تحب ويجعله خيرا لك هو قادر على كل شيء. يوسف كان لو طلب من اللّٰه أن ينجيه من النساء ومن السجن لفعل، ولكن اختار السجن،.
اختار السجن سلم من النساء ولكن دخل السجن( فَاسْتَجَابَ لَهُۥ رَبُّهُۥ)12:34 دعاءه ( فَصَرَفَ
المسألة فإنه لا مكره له (6338).
عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُۥ هُوَ السَّمِيعَ الْعَلِيمُ ثُمَّ بَدَا)ظهر (لَهُم مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوَا الآيَاتِ) الدلالات على براءة يوسف أن يسجنوه (لَيَسْجُنُنَّهُۥ حَتَّيٰ حِينٖۖ )12:35 قالوا لا بد من دخول السجن حتى ينقطع الكلام، فسجن فتحول السجن إلى زليخا، صارت تطلع وتجلس على سقف بيتها تنظر إلى السجن فقط ليلا ونهارا لشدة محبتها ليوسف، يوسف في راحة وزليخا في عذاب، تحول السجن إليها (وَدَخَلَ مَعَهُ اُ۬لسِّجْنَ فَتَيَٰنِۖ) غلامان للملك أحدهما ساقيه والآخر صاحب طعامه فرأياه عبر الرؤيا، فقالا لنختبرنه (فَالَ أَحَدُهُمَا)) وهو الساقي (إِنِّيَ أَر۪يٰنِيَ أَعْصِرُ خَمْراٗۖ) عنبا (وَقَالَ الآخَرْ) صاحب الطعام (إِنِّيَ أَر۪يٰنِيَ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِے خُبْزاٗ تَاكُلُ اُ۬لطَّيْرُ مِنْهُۖ نَبِّئْنَا) خبرنا (بِتَاوِبلِهِ) بتعبيره (إِنَّا نَرِيْكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ فَالَ) يوسف (لاَ يَاتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَفَنِهِ) في منامكما (إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَاوِيلِهِ، )12:37-12:38 في اليقظة (قَبْلَ أَنْ يَاتِيَكُمَا)12:37-12:38 تأويله (ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِ رَبِّىَ) فيه حث على إيمانهما ثم قواه بقوله (إِنِّى تَرَكْتُ مِلَّةَ فَوْمٍ) دين قوم (لَّا يُومِنُونَ بِاللَّهِ وَهُم بِالَاخِرَةِ هُمْ كَٰفِرُونَۖ وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ ءَابَآءِيَ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَۖ مَا كَانَ) ينبغي ( لَنَا أَن نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَےْءٖۖ) لعصمتنا ذَلِكَ) التوحيد (مِن فَضْلِ اِ۬للَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَي اَ۬لنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ اَ۬لنَّاسِ)12:38 وهم الكفار (لا يَشْكْرُونُ) اللّٰه فيشركون، ثم صرح بدعائهما إلى الإيمان فقال (يَصَحِبَي السِّجْن) ساكني السجن (ءَآرْبَابٞ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ اَمِ اِ۬للَّهُ اُ۬لْوَٰحِدُ اُ۬لْقَهَّارُۖ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِۦٓ)12:39-12:40غيره (إِلَّا أَسْمَاءَ سَمَّيْتُمُوهَا)53:23-53:24 سميتم بها أصناما (أنتُمْ وَءَابَاؤْكُم مَآ نزَلَ ألَّلهُ بِهَا)7:71-7:72 بعبادتها (مِن سُلْطَٰنٍۖ ) حجة وبرهان (اِنِ الْحُكُمْ) القضاء (إِلَّا لِلهِ)
حده (أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلّاَّ إِيَّاةٌ ذَلِكَ)12:39-12:40 التوحيد (ألدِّينُ الْفَيِّمْ) المستقيم (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ نَاس) وهم الكفار (لا يَعْلَمُونَ) ما يصيرون إليه (يَصَحِبَى السِّجْن أَمَّا أَحَدُكْمَا)12:41-12:42
الذي هو الساقي فيخرج بعد ثلاث (فَيَسْفِ رَبَّهُ ) سيده ( خَمْرا) على عادته ( وَأَمَّا
الآخَرُ) فيخرج بعد ثلاث (فَيُصْلَبُ فَتَاكُلُ اُ۬لطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِۦۖ قُضِيَ اَ۬لَامْرُ اُ۬لذِے فِيهِ تَسْتَفْتِيَٰنِۖ ) هذا تأويل رؤياكما. كان صاحب طعام الملك اكتراه رجل ممن يريد مقام الملك بشيء من الذهب أن يجعل السم في الطعام إذا مات الملك يتولى هو الملك ويفعل لها ويفعل له، فاطلع الساقي على ذلك، فلما أراد الملك أن يتناول الطعام وفيه سم أشفق عليه الساقي، قال له لا تأكل الطعام فإن فيه سما1، قال له صاحب الطعام وأنت شرابك فيه سم ايضا. قال لا، قال الملك لصاحب الشراب: اشرب، فشرب شرابه، وقال لصاحب الطعام كل: فامتنع، فعلم براءة الساقي ولكن جعلهما معا إلى السجن مع يوسف، فلما رأيا رؤياهما وقصا أنهما رأيا رؤيا عبر لهما يوسف أن الساقي سيخرج ويرجع إلى مكانته، وصاحب الطعام سيخرج ويقتل، قالا له ما رأينا شيئا كنا نختبرك فقط، قال (قُضِيَ اَ۬لَامْرُ اُ۬لذِے فِيهِ تَسْتَفْتِيَٰنِۖ » تم الأمر هكذا (وَفَالَ لِلذِ ظَنّ) أيقن ( أَنَّهُ نَاجِ مِنْهُمَا) وهو الساقي (اَ۟ذْكُرْنِے عِندَ رَبِّكَ) سيدك. فقل له إن في السجن غلاما محبوسا ظلما. فلما خرج جاء جبريل فقال له: أنت يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، إبراهيم ألقي في النار فطلبناه نحن الملائكة هل لك من حاجة؟ قال: أما إليكم فلا وأما إلى اللّٰه فبلى، قلنا له: سل اللّٰه ينجيك من هذا، قال: علمه بحالي يغني عن سؤالي 2، وهذا جدك إسحاق ذبح حتى فداه اللّه بكبش، وهذا يعقوب نزل به ما نزل فلم يستغث بمخلوق، وأنت أيام في السجن فقط تستغيث بمخلوق وأنت ابن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم؟ عاتبه جبريل 3،
ستمكث في السحن مدة حروف اذكرني عند ربك، اثني عشرة سنة، فبقي في السجن اثني عشرة سنة (فَأَنس۪يٰهُ اُ۬لشَّيْطَٰنُ ذِكْرَ رَبِّهِۦ فَلَبِثَ فِے اِ۬لسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَۖ) البضع من
الثلاثة إلى التسعة (وَقَالَ ألْمَلِكَ) ملك مصر الريان بن الوليد (إِنِّيَ أَر۪يٰ) رأيت في المنام (سَبَعَ بَقَرَٰتٍ سِمَانٍ يَاكُلَهُنَّ)12:43-12:44 يبتلعهن (سَبْعٌ) من البقر (عِجَافٞ وَسَبْعَ سُنۢبُلَٰتٍ خُضْرٖ وَأُخَرَ)12:43-12:44 سبع سنبلات يَابِسَٰتٖۖ) قد التوت على الخضر وعلت عليها (يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لْمَلَأُ اَ۬فْتُونِے فِے رُءْيٰ۪) بينوا لي تعبيرها {إِن كُنتُمْ لِلرَّءِيا تَعْبَرُونَ) فاعبروها قَالُوٓاْ أَضْغَٰثُ أَحْلَٰمٖۖ ) أخلاط أحلام فقط {وَمَا نَحْنُ بِتَاوِيلِ اِ۬لَاحْلَٰمِ بِعَٰلِمِينَۖ وَقَالَ اَ۬لذِے نَجَا مِنْهُمَا) من لفتيين وهو الساقي {وَادَّكَرَ) تذكر (بَعْدَ أُمَّةٍ ) بعد حين {اَنَآ أُنَبِّئُكُم بِتَاوِيلِهِۦ فَأَرْسِلُونِۖ ) فأرسلوه فأتى يوسف فقال يا {{يُوسُفُ أَيُّهَا اَ۬لصِّدِّيقُ) أي كثير الصدق (أَفْتِنَا فِے سَبْعِ بَقَرَٰتٖ سِمَانٖ يَاكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٞ وَسَبْعِ سُنۢبُلَٰتٍ خُضْرٖ وَأُخَرَ يَابِسَٰتٖ لَّعَلِّيَ أَرْجِعُ إِلَي اَ۬لنَّاسِ) الملك وأصحابه {لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ فَالَ تَزْرَعُونَ) ازرعوا (سَبْعَ سِنِينَ دَأْبَا))
متابعة وهي تأويل السبع السمان فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ )اتركوه( فِے سُنۢبُلِهِۦٓ) لئلا يفسد (إِلَّا قَلِيلاٗ مِّمَّا تَاكُلُونَۖ } فادرسوه( ثُمَّ يَاتِے مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ ) السبع المخصبات ( سَبْعٌ شدّادٌ) مجدبات صعاب {يَاكُلْنَ مَا فَدَّمْتُمْ لَهُنَّ) من الحب المزروع في السنين المخصبات (إِلَّا فَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ تدخرون {ثُمَّ يَاتِے مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ السبع المجدبات (عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ)12:49 بالمطر {وَفِيهِ يَعْصِرُونَ) الأعناب (وَفَالَ اَ۬لْمَلِكُ) لما جاءه الرسول وأخبره بتأويلها (اُ۪يتُونِے بِهِۦۖ) بالذي عبرها فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ) يوسف وطلبه الخروج فَالَ)
قاصدا إظهار براءته {قَالَ اَ۪رْجِعِ اِلَيٰ رَبِّكَ فَسْـَٔلْهُ مَا بَالُ اُ۬لنِّسْوَةِ اِ۬لتِے قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّۖ إِنَّ رَبِّے)
ابن الطاهرين يقرئك السلام رب العالمين ويقول أما استحيبت إذ استغثت بالآدميين وعزتي لألبثنك في السجن بضع سنين، فقال يا جبريل أهو عني راض؟ قال: نعم، قال: لا أبالي الساعة. ج 195/9.
37ً
سيدي (بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٞۖ قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَٰوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِۦۖ ) هل وجدتن منه ميلا إليكن ( قُلْنَ حَٰشَ لِلهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوٓءٖۖ قَالَتِ اِ۪مْرَأَتُ اُ۬لْعَزِيزِ اِ۬لَٰنَ حَصْحَصَ)12:51 وضح (اَ۬لْحَقُّ أَنَا رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفْسِهِۦ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ اَ۬لصَّٰدِقِينَۖ)12:51 يقول الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم: الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم \!.
لو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت لأول داع 2 هذا تواضع منه صلى اللّٰه علي
وسلم فهو أكمل من يوسف (ذَٰلِكَ) طلب البراءة ليَعْلَمَ) العزيز (أَنِّے لَمَ اَخُنْهُ) فِي
أهله (بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اَ۬للَّهَ لَا يَهْدِے كَيْدَ اَ۬لْخَآئِنِينَۖ )).
كتاب أحاديث الأنبياء/ باب قول اللّٰه تعالى "لَفَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ ءَايَاتٌ" (3387).